"ستواجه إيران قبضتنا الحديدية"، بتلك الكلمات ردَّ الرئيس الأذربيجاني إلهام علييف في 5 مارس/آذار 2026 مباشرةً على هجوم شنَّته إيران بمسيَّرتين على إقليم ناختشيفان الأذربيجاني، المنفصل عن بقية أراضي البلاد، والذي تحيط به إيران وتركيا وأرمينيا. وفي اليوم التالي، نشرت وزارة الدفاع الأذربيجانية في قناتها على تطبيق تلغرام بياناً باللغة الأذرية، أعلنت فيه أن الجيش بدأ استدعاء قوات الاحتياط، وأن وحداته في حالة التأهب القصوى، فساد الترقب خشية أن تتسع رقعة الحرب، التي لم يكن قد مضى عليها أسبوع آنذاك.
وبعد يومين، جاء الرد على لسان المتحدث باسم مقر خاتم الأنبياء المركزي للعمليات العسكرية في إيران: "نعلن لجمهورية أذربيجان، بوصفها دولة مسلمة مجاورة لإيران، أن عليها أن تخرج كل الصهاينة من بلدها، وأن تمنع اتساع رقعة عدم الاستقرار في المنطقة، وألا تعرض شعبها ولا أمن إيران للتهديد". وفي اليوم نفسه، أجرى الرئيس الإيراني مسعود بزشكيان مكالمة هاتفية مع علييف لمناقشة هجوم ناختشيفان وتهدئة التوتر، وبدا من البيان الهادئ الذي أصدرته الرئاسة الأذربيجانية بعد المكالمة أن التصعيد انحسر سريعاً، إذ أشار البيان إلى شكر إيران لعلييف على تعزيته في استشهاد المرشد الإيراني علي خامنئي، وإلى أن بزشكيان نفى علاقة بلاده بهجوم ناختشيفان وتعهد بالتحقيق فيه.
وسرعان ما انقلب التصعيد إلى تقارب. ففي 9 مارس/آذار أعادت باكو فتح معابرها مع إيران أمام البضائع بعد إغلاق أربعة أيام، وهنأ علييف المرشد الجديد مجتبى خامنئي في اليوم نفسه، ثم أرسلت أذربيجان قافلتي مساعدات عبر معبر أستارا في 10 و18 مارس/آذار، وأعادت فتح سفارتها في طهران في 12 أبريل/نيسان. وعلى هامش قمة شنغهاي في بيشكيك في 31 أغسطس/آب التقى علييف وبزشكيان للمرة الأولى بعد الحرب، ثم التقيا مجدداً في تركمانباشي في 9 أكتوبر/تشرين الأول في لقاء ثلاثي ضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. غير أن طهران لم تعتذر عن هجوم ناختشيفان، ولم تنشر نتائج التحقيق الذي وعد به رئيسها.
ولم يمنع ذلك "سي إن إن" من أن تنشر في 5 يونيو/حزيران، نقلاً عن أربعة مصادر، أن قوات خاصة إسرائيلية ووحدات لإنقاذ الطيارين وضباطاً من الموساد عملوا أثناء الحرب من مواقع في جنوب أذربيجان، بعضها على بعد نحو 97 كيلومتراً من تبريز، وأن معدات مراقبة نُصبت قرب الحدود قبل اندلاع الحرب. ونفت سفارة أذربيجان في واشنطن ذلك "بحزم"، ورفضت إسرائيل التعليق، واكتفت طهران بحملة إعلامية دون أي خطوة دبلوماسية.
وفي 14 أكتوبر/تشرين الأول حطّ الرئيس الإسرائيلي إسحاق هرتسوغ في باكو على متن طائرة تابعة للخطوط الأذربيجانية عبرت المجال الجوي التركي رغم حظر أنقرة على الطائرات الرسمية الإسرائيلية، والتقى علييف الذي وصف إسرائيل بأنها "شريك مهم في منطقتنا". وفي اليوم التالي، حين وقف هرتسوغ ليخطب في قمة مؤتمر التفاعل وتدابير بناء الثقة في آسيا، انسحب وفد إيران ومعه وفود تركيا وباكستان والكويت والسلطة الفلسطينية، وطالب نائب وزير الخارجية الإيراني كاظم غريب آبادي بطرد إسرائيل من المنظمة، فيما غاب أردوغان عن القمة أصلاً.
بيد أن التوتر بين طهران وباكو ليس وليد سوء تفاهم عابر، ولا توتراً إقليمياً فجَّرته الحرب، بل تمتد جذوره إلى عداء قديم بين جمهورية أذربيجان، التي ظهرت على الخريطة عقب تفكك الاتحاد السوفياتي والتزمت منذ ذلك الحين خط التقارب مع الدول الغربية وحلف شمال الأطلسي (الناتو)، بما في ذلك حليفتها إسرائيل، وبين النظام الإيراني الذي وُلد قبل استقلال أذربيجان بأكثر من عقد، وتشكَّل دوره في المنطقة في مواجهة الولايات المتحدة وحلفائها.
التعليقات (0)