من صدقية المصدر وصلاحية القياس إلى أثر المعلومات وحدود التفسير السياسي
د. نبيل كوكالي باحث وخبير في الرأي العام ومحلل سياسي
في الانتخابات، قد تكون النسبة صحيحة تمامًا من الناحية الحسابية، بينما يكون المعنى الذي يُبنى عليها غير دقيق أو أوسع مما تستطيع البيانات إثباته. فعندما نقرأ أن مرشحًا يتقدم، أو حزبًا يتراجع، أو أن الشباب يتحركون في اتجاه سياسي جديد، يبدو الرقم للوهلة الأولى واضحًا ونهائيًا. لكن النسبة التي وصلت إلى القارئ ليست سوى الحلقة الأخيرة في عملية بحثية طويلة بدأت قبل ذلك بتحديد المجتمع الذي نريد فهمه، واختيار من سنسأله، وصياغة السؤال، وتحديد البدائل، وطريقة إجراء المقابلة، وتوقيت القياس، ثم معالجة البيانات وتحليلها واختيار اللغة التي ستُعرض بها النتائج.
ومن هنا فإن جودة الاستطلاع لا تُقاس فقط بعدد المقابلات أو بهامش الخطأ، بل تبدأ قبل ذلك بكثير: بكيفية اختيار العينة، ومدى قدرتها على تمثيل المجتمع المستهدف، وصياغة الأسئلة، وطريقة عرض الخيارات، وما يعرفه المبحوث عنها مسبقًا، وما إذا كان قد تلقى أثناء المقابلة معلومات جديدة يمكن أن تؤثر في اختياره. كما تتوقف الجودة على قدرة الباحث على التمييز بين ما قاسه بالفعل وما استنتجه من القياس لاحقًا، وعلى ألا يمنح النتيجة معنى أكبر مما تستطيع البيانات أن تحمله.
وبعد أكثر من ثلاثة عقود من العمل في بحوث الرأي العام، أرى أن هذه الأسئلة أصبحت أكثر أهمية اليوم للباحث والصحفي وصانع القرار والجمهور معًا. فثقافة قراءة الاستطلاعات لم تعد تقتصر على معرفة حجم العينة وهامش الخطأ، وإنما أصبحت جزءًا من ثقافة أوسع لفهم المعلومات: من أين جاءت، وكيف أُنتجت، ومن يقف خلفها، وهل يمكن التحقق منها، وما الذي نستطيع أن نستنتجه منها قبل أن تتحول إلى عنوان سياسي أو حكم عام.
قبل النسبة: هل نعرف من أين جاء الرقم؟
التعليقات (0)