قد يظن البعض أن الحديث عن السرد والشخصيات والجماليات الأدبية وسط هذا العالم المتشظي هو نوع من الترف الفكري أو محاولة في صناعة الوهم. لكن حين يسعى العالم المعاصر لتجريد الإنسان من معناه وتحويله إلى مجرد رقم في النشرة أو خوارزمية في شاشة، تصبح الرواية فعل المقاومة الأخير لمجابهة العدمية.
وتجنباً للوقوع في فخ العموميات والكليشيهات الجاهزة أرى أن الرواية ليست مجرد توثيق، بل مختبر لتفكيك أزمات الإنسان المعاصر.
في السنوات الأخيرة، سار قطاعٌ غير قليل من الأدب العربي نحو صياغة القلق بأدواتٍ ومفاهيم مقتطعة من سياقها؛ فنرى الشخصية العربية تُعاني في صفحات النص من عبثيةٍ واغترابٍ بلغةٍ تشبه إلى حدٍّ كبير هواجس عالم لا يحمل هويتها. نراها تتخبط في مصطلحات مستوردة وتتوه في أزمة المعنى وكأنها تملك رفاهية الضياع، فيما الواقع من حولها يغلي بأسئلةٍ أكثر شراسة ووجودية؛ أسئلة البقاء والعدالة والحرية والبحث عن جدارٍ آمنٍ في عالمٍ آخذٍ بالانهيار.
إن إسقاط تجربة مستوردة على الشخصية العربية يُجرّدها من حقيقتها، ويجعل النص يبدو كأنه ارتداءٌ متكلف لـموضة أدبية مستعارة من صالونات (باريسية) أو مقهى (برليني)، وإسقاطه على واقع مجتمع لا يعاني من شبع الوجود الذي يولّد الفراغ، بل من سحق الوجود الذي يولّد الخوف.مجتمع لا يبحث في: لماذا نعيش بالمعنى الفلسفي المجرّد، بل كيف ننجو بإنسانيتنا وسط كل هذا القهر والتاريخ المثقل بالهزائم. فالرواية الحقيقية لا تتزين بالنزعات الفلسفية المستوردة لتكتسب شرعيتها، بل تنبش في ترابها الخاص، وتستخرج أسئلتها من سيرتها الذاتية، وتحول الرواية من سؤال من نحن أي التعريف التوثيقي الجاهز، إلى كيف نُعرّف أنفسنا في عالم متغيّر، والموازنة والمواءمة بين عالمية أسئلة الإنسان المعاصر وبين خصوصية الواقع العربي بدون الوقوع في فخ الاستيراد الأدبي أو فخ المباشرة.
فمن غسان كنفاني و"ما تبقى لكم"، وصولاً إلى "قناع بلون السماء" لباسم خندقجي، تبدو الهوية مركبّة، صعبة، ومشحونة بأسئلة الازدواجية والاقنعة التي يفرضها العالم المعاصر، إذ كيف يتعامل الإنسان المعاصر مع فقدان الجغرافيا، فهل أصبحت الذاكرة هي الوطن البديل أم عبئاً يجب تفكيكه، حيث يتحول المكان من مجرد أرض إلى حيز نفسي وفلسفي كما يتبدى في زمن خيول إبراهيم نصر الله البيضاء أو ضوء حسين البرغوثي الأزرق؟
والسؤال المُلِح: هل نعمد كمبدعين وأدباء إلى الرواية لمجرد التوثيق مقابل محاولة امتلاك حق التأويل أي صناعة معنى جديد، هل نكتب لنروي فقط؟ لعل رواية حدث ما، هي بالضرورة عملية إعادة بناء واختيار، وبالتالي هي تأويل ضمني للحدث من حيث اختيار زاوية الرؤية، فحتى الرواية البسيطة ـ من وجهة نظري ـ هي تمرّد على الواقع وليست مجرد انعكاس له.
التعليقات (0)