ليست المشكلة الفلسطينية في غياب الانتخابات وحده، بل في السؤال الأكثر تعقيدًا: هل يُسمح للانتخابات بأن تنتج تغييرًا سياسيًا حقيقيًا، أم يُراد لها أن تجدد شرعية المؤسسات القائمة من دون المساس بالقواعد التي تحكم النظام السياسي الفلسطيني؟
هنا تحديدًا ينبغي قراءة الضغط الأوروبي من أجل إجراء الانتخابات الفلسطينية. فالدعوة الأوروبية، على أهميتها من حيث الاعتراف بحق الفلسطينيين في اختيار ممثليهم، لا تنفصل عن تصور أوروبي أوسع لمستقبل السلطة الفلسطينية، ودورها في غزة، وعلاقتها بإسرائيل، وشكل التسوية السياسية التي ما زال الاتحاد الأوروبي يعلن تمسكه بها، والسؤال الذي يستحق النقاش ليس ما إذا كانت أوروبا تريد انتخابات أم لا، بل ما إذا كانت مستعدة لاحترام النتائج التي قد تفرزها انتخابات حرة، حتى عندما لا تتوافق تلك النتائج مع حساباتها السياسية.
أولًا: أوروبا تريد تجديد الشرعية، لكن بأي معنى؟
من الصعب تجاهل حقيقة أن المؤسسات الفلسطينية تعاني أزمة شرعية متراكمة. فقد مضت قرابة عقدين على آخر انتخابات تشريعية عامة، فيما أُجّلت الانتخابات التي كان مقررًا إجراؤها عام 2021، ثم أُعلن في أكتوبر 2026 تأجيل الانتخابات التشريعية والرئاسية مجددًا إلى سبتمبر 2027.
وفي بيانها الصادر في 12 أكتوبر، شددت المواقف الأوروبية على ضرورة إجراء الانتخابات في أقرب وقت ممكن، وربطت ذلك بالحاجة إلى تجديد شرعية المؤسسات الفلسطينية. كما أكدت فرنسا ودول أخرى أن استمرار التأجيل يحدّ من قدرة الفلسطينيين على اختيار ممثليهم ويضعف الثقة بالمؤسسات الديمقراطية، لكن تجديد الشرعية ليس مجرد إجراء تقني يبدأ بتسجيل الناخبين وينتهي بإعلان النتائج. إنه عملية سياسية تعيد توزيع التمثيل والسلطة، وتفتح المجال أمام قوى جديدة، وتمنح المواطنين فرصة محاسبة القائمين على الحكم.
ومن هنا، فإن الانتخابات التي لا تتيح احتمال التغيير الحقيقي تظل معرضة لأن تتحول إلى آلية لإعادة إنتاج النظام نفسه، حتى لو استوفت بعض الإجراءات الشكلية، ومع ذلك، لا يكفي هذا الاحتمال وحده للحكم على النيات الأوروبية. فالموقف المعلن للاتحاد يدعم انتخابات شاملة وشفافة، والاستعداد لإرسال بعثة مراقبة يمثل خطوة عملية يمكن اختبار جديتها على الأرض. لكن الاختبار الأهم يبقى في كيفية التعامل مع شروط المنافسة ونتائجها، لا في التصريحات وحدها.
التعليقات (0)