طالما شكّل حُصاد الزيتون في قطاع غزة طقسًا يفيض بالخير والبهجة والالتفاف الاجتماعي، غير أن أوزار الحرب حوّلت هذا الموسم إلى تقويمٍ للحرقة والاستذكار الأليم؛ إذ أضحت معاصر الزيتون وأشجاره بين ركام القصف وجرف الآليات، لتغيب طقوسٌ واكبت عقودًا من حياة المزارعين وسكان القطاع.
في حي الزيتون شرقي مدينة غزة، طال الدمار ست معاصر شهيرة، بينها معاصر تعود لعائلات شاهين وعاشور ودلول، امتدادًا إلى معصرة أبو عودة في منطقة الوادي، وفق ما أورده صاحب إحدى معاصر الزيتون في غزة، أبو زاهر كشكو.
ويروي كشكو لـ "وكالة سند للأنباء" بحرقة أنه يستقبل موسم الزيتون هذا العام بوجع مضاعف، فبعدما كان يفتح أبواب معصرته لاستقبال المزارعين ومحاصيلهم وسط ضجيج الآلات ورائحة الزيت الطازج، بات اليوم يفتح كاميرا هاتفه المحمول ليستعيد صور المكان والمنزل وما تبقى من ذكريات، مشبهًا ذلك باستعادة صور الأحبة الذين غابوا. إقرأ أيضاً معطيات كارثية.. 87.6% من الأراضي الزراعية بغزة مدمرة كليا
ويتحدث عن أبعاد هذه الخسارة قائلاً إن العمل لم يكن مجرد إنتاج تجاري، بل كان يرتبط بعلاقات اجتماعية وإنسانية تجمع الأهالي وتمنحهم شعور الفرح والبركة، ملخصًا التحول المأساوي بعبارة مؤثرة: "أنا اللي كنت أوزع الزيت وبكميات كبيرة، واليوم لا أجد ما أشتريه".
ويوضح كشكو أن سعر تنكة زيت الزيتون قفز من نحو 450 شيكلًا قبل الحرب إلى قرابة 1400 شيكل حاليًا، نتيجة شح الكميات وارتفاع تكاليف التشغيل والمواصلات والعصر والعبوات.
ويؤكد أن المعاصر القليلة القادرة على العمل تواجه أعباء مالية باهظة، وأن تدميرها تسبب في قطع أرزاق أصحابها والعاملين فيها وتضرر المزارعين الذين اعتمدوا عليها لعصر محاصيلهم، آملًا أن يعود صوت الآلات ورائحة الزيتون مجددًا للمكان.
التعليقات (0)