الخميس 15 أكتوبر 2026 8:53 صباحًا - بتوقيت القدس
ثمة مفارقة تستحق التوقف أمامها في المشهد الفلسطيني: فُتح باب الترشح للانتخابات التشريعية، فتحركت القوائم والمرشحون، وبدأت الحسابات التنظيمية والسياسية، لكن الشارع الفلسطيني لم يُظهر اهتمامًا ونقاشًا عامًا يتناسبان مع أهمية هذا الاستحقاق. ثم أُعلن تأجيل الانتخابات، فعاد المشهد نفسه؛ غياب نسبي للنقاش العام حول قرار يمس مستقبل الحياة السياسية الفلسطينية.فهل أصبح الشارع الفلسطيني غير مكترث بالانتخابات، أم أن همومه اليومية باتت أكبر من أن تترك له مساحة للاهتمام بها؟لا يمكن فصل هذا المشهد عن واقع المواطن الذي يواجه أزمات اقتصادية ومعيشية متراكمة، ويعيش تحت وطأة الاحتلال والحرب والبطالة والقلق على مستقبل أبنائه. لكن السؤال الأعمق هو: هل تراجع الاهتمام بالانتخابات لأن المواطن لم يعد يرى فيها أداة قادرة على تغيير واقعه؟فالخطر ليس فقط في ضعف الاهتمام بالانتخابات، بل في أن يصبح حضورها وغيابها أمرًا لا يغيّر شيئًا في توقعات الناس، أو في ثقتهم بقدرة المؤسسات على معالجة أزماتهم.كان يفترض أن يفتح الترشح نقاشًا وطنيًا حول البرامج والكفاءات ودور المجلس التشريعي في التشريع والرقابة والمساءلة. وكان يفترض أن يفتح التأجيل نقاشًا حول أسبابه وتداعياته، والضمانات اللازمة لإجراء الانتخابات، ومستقبل الحياة الديمقراطية الفلسطينية.لكن أين الأحزاب التي يفترض أن تشرك الناس في صناعة القرار؟ وأين الإعلام والنخب والجامعات ومؤسسات المجتمع المدني من نقاش يتجاوز أسماء المرشحين إلى مستقبل المواطن وحقوقه؟لا يجوز أن نحمّل المواطن وحده مسؤولية هذا الغياب، فالمواطن لا يحتاج إلى أن يسمع أن الانتخابات مهمة، بل يحتاج إلى أن يرى كيف يمكن أن تؤثر في حياته، وأن يشعر بأن صوته قادر على إحداث تغيير حقيقي.هموم المواطن المعيشية ليست منفصلة عن أولوياته الوطنية، فالعمل والتعليم والصحة والحرية والكرامة وبناء المستقبل قضايا وطنية بامتياز. لكن المشكلة تبدأ حين يشعر المواطن بأن هذه القضايا لا تجد طريقها إلى البرامج السياسية، وأن صوته لا يترك أثرًا ملموسًا في القرارات التي تحدد حياته.إن ما يحدث ينبغي أن يكون جرس إنذار للقوى السياسية الفلسطينية، لا مناسبة لتبادل الاتهامات. فالمطلوب إعادة بناء الثقة، وتجديد الحياة السياسية، وإقناع الناس بأن الانتخابات ليست مجرد قوائم ومقاعد، بل وسيلة للمشاركة والمحاسبة وصناعة المستقبل.لا يكفي أن نسأل: متى ستُجرى الانتخابات؟ بل علينا أن نسأل: كيف وصلنا إلى مرحلة لا يبدو فيها إجراء الانتخابات أو تأجيلها قضية تستحق نقاشًا عامًا واسعًا؟فالشعوب التي تواجه الأزمات لا تحتاج إلى إسكات أسئلتها، بل إلى مؤسسات تمنح هذه الأسئلة معنى، وإلى حياة سياسية تجعل المشاركة وسيلة للتغيير والمساءلة.إن أخطر من تأجيل الانتخابات أن نعتاد تأجيل حقنا في السؤال.
أُعلنت الانتخابات فلم ينشغل الشارع… وأُجّلت فلماذا لم يسأل أحد؟
سامر سلامة: أكاديمي وناشط سياسي
السفير سون تشن مدير مكتب الصين لدى فلسطين
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
التعليقات (0)