في الخامس والعشرين من أغسطس/آب الماضي، حطّت طائرة نقل عسكرية أمريكية من طراز "سي-17 غلوبماستر 3" (C-17 Globemaster III) في مطار فنوكوفو بموسكو دون إعلان مسبق. كان على متنها مدير وكالة المخابرات المركزية الأمريكية (سي آي إيه) جون راتكليف، في أول زيارة يقوم بها مدير للوكالة إلى العاصمة الروسية منذ نوفمبر/تشرين الثاني 2021. قال المتحدث باسم الكرملين دميتري بيسكوف إن راتكليف لم يلتقِ الرئيس فلاديمير بوتين، وإن ما جرى كان "اتصالات عبر الأجهزة الأمنية"، ورفض الكشف عن مضمونها، مكتفيًا بالقول إن بوتين أُطلع على نتائجها.
كشفت صحيفة وول ستريت جورنال لاحقًا أن راتكليف ذهب إلى موسكو ليحذّرها من مغبة الاعتداء على أي دولة عضو في حلف شمال الأطلسي (الناتو). لكن الرئيس الأمريكي دونالد ترمب نفى ذلك في اليوم التالي. فحين سُئل في مقابلة إذاعية إن كان راتكليف قد ذهب لبحث تحرك روسي محتمل لاختبار الحلف، أجاب بأن الزيارة لا علاقة لها بشيء من ذلك، ووصفها بأنها "شبه روتينية". نحن إذن أمام روايتين. فإذا صحّ ما سرّبته الصحيفة، فإن قلق الحلف، ولا سيما جناحه الشرقي، من هجوم روسي على إحدى دوله قلق حقيقي، بلغ حدّ إرسال رئيس الاستخبارات الأمريكية بنفسه إلى موسكو.
وكانت الصحيفة نفسها قد نشرت في وقت سابق تقريرًا عمّا وصفته بتقديرات استخباراتية أمريكية، تفيد بأن روسيا قد تختبر تماسك الحلف والتزام دوله بالمادة الخامسة من ميثاقه عبر توغّل محدود. وتُلزم هذه المادة الدول الأعضاء بالدفاع عن أي دولة منها تتعرض لهجوم.
أما في ألمانيا، فقد تحوّل الأمر إلى ما يشبه الهاجس الوطني. فبين حين وآخر يصدر عن قيادي سياسي أو عسكري أو أمني تحذير من أن روسيا ستكون قادرة على مهاجمة إحدى دول الناتو بحلول عام 2029.
في أبريل/نيسان 2024، قال المفتش العام للجيش الألماني الجنرال كارستن بروير، خلال زيارة إلى بولندا، إن روسيا قد تكون جاهزة عسكريًا لمهاجمة دول الناتو خلال خمس إلى ثماني سنوات، بعد أن تعيد بناء قواتها التي أنهكتها الحرب في أوكرانيا. وأضاف أن روسيا تنتج كميات كبيرة من العتاد ولا ترسله كله إلى الجبهة، "لذلك يجب أن نكون جاهزين في 2029". وكرر بروير تحذيره أكثر من مرة، آخرها في مارس/آذار 2026، حين قال إن وتيرة إعادة التسلح الروسية صارت أسرع من أي وقت مضى.
وفي يونيو/حزيران 2024، دعا وزير الدفاع الألماني بوريس بيستوريوس، في جلسة للبرلمان (البوندستاغ)، إلى أن يكون الجيش الألماني (البوندسفير) جاهزًا للقتال بحلول 2029. وفي أكتوبر/تشرين الأول من العام نفسه، قال رئيس جهاز الاستخبارات الخارجية الألماني آنذاك برونو كال، في جلسة استماع علنية بالبرلمان، إن القوات الروسية ستكون قادرة على مهاجمة الناتو بحلول نهاية العقد على أبعد تقدير. وكرر خلَفه مارتن ييغر التحذير نفسه بعد نحو عام.
التعليقات (0)