أمين الريحاني "لحظة" محيرة، أو قل حالة يصعب تثبيتها، في المرحلة المتأخرة مما لا يزال يحتمل وصفه بعصر النهضة الثقافية والأدبية العربية. ولا يكفي أن نقول إن هذا المفكر اللبناني يقع بين خانتين؛ فهو يتحرك، أحيانا في الصفحة الواحدة، بين خانات اعتدنا الفصل بينها، بين الأديب والرحالة، المهاجر والمشرقي، المتأمل الفيلسوف والكاتب السياسي، القومي العربي والأمريكي المتجنس، الماروني المتحرر من العصبية الكنسية من غير أن يمحو ذاكرته المارونية، الرومانسي والواقعي.
وهو في الآن نفسه ابن الشاعر الأمريكي والت ويتمان والفيلسوف رالف والدو إمرسون بقدر ما هو قارئ مفتون بلزوميات أبي العلاء المعري. ثم تتسلل إليه، شيئا فشيئا، تلك "الروح الهندية" في الصيغة التي أذاعها شاعر البنغال وحكيمها رابندرانات طاغور.
التقى الرجلان في نيويورك بعد الحرب الكبرى، واجتمعا، كل من طريقه، على ضرب من "دين الإنسانية" الكوني المستأنس بالطبيعة، وعلى نزعة كوزموبوليتانية تتجاوز القوميات ولا تلغي اللغات. جعل طاغور البنغالية لغة موسيقية كونية في "قربان الأغاني" (غيتانجالي)؛ وكتب الريحاني بالإنجليزية، وعمل في الوقت نفسه على استصلاح العربية وتوسيع إمكاناتها.
ولم يجانب زكي نجيب محمود الصواب حين قال إن أمين الريحاني كان للأمة العربية ما كان طاغور لأبناء الهند.
ولد الريحاني في الفريكة، في المتن الشمالي من جبل لبنان، عام 1876، يوم كان الجبل جزءا من سوريا العثمانية. وتتحدر أسرته في الأصل من بلدة بجة في بلاد جبيل، ومنها انتقلت في القرن السابع عشر إلى بيت شباب، ثم إلى الشاوية، قبل أن يستقر أحد فروعها في الفريكة. أما لقب "الريحاني" فغلب، وفق الرواية العائلية، بعدما أحاطت بالدار أشجار الآس، أو "بنات الريحان"، حتى طغت الكنية الجديدة على اللقب الأقدم.
في الحادية عشرة من عمره، هاجر أمين مع عمه وعائلته إلى الولايات المتحدة، شأن كثيرين من أبناء متصرفية جبل لبنان، الإقليم العثماني ذي الحكم الذاتي، في ذلك الزمن. كان والده فارس يعمل في تجارة الحرير الخام وتصنيعه، وكان المنتظر من الفتى أن يساعد عمه في مسك دفاتر التجارة في نيويورك. لكن الصبي وجد في الكتب غواية أشد من الحسابات. حاول الالتحاق بفرقة مسرحية جوالة، وتعثر في دراسة الحقوق، ثم أصيب بمرض صدري حاد فنُصح بالعودة إلى جبل طفولته.
التعليقات (0)