حين أهداني الصديق الروائي يوسف الشايب روايته ""مستحيل il " في معرض عمّان الدولي للكتاب، لم يخطر ببالي أن رحلة أخرى تتربص بها؛ فقد ارتحلت بها إلى ألمانيا، ومنها إلى كوخ منعزل تزنّره غابات هولندا ، فخلوت إلى متنها في حضرة الأشجار ورهبة السكون. وهناك وجدتني أتقلب بين عالمين نقيضين: غابة تفيض على المكان سكينة وطمأنينة، ورواية تستنطق قلق الإنسان حين يُغتصب مكانه وتُصادر جغرافيته. ولعل هذه المفارقة كانت عتبتي الأولى للولوج إلى عوالم النص، قبل أن تتكشف لي بلاغاته المتشعبة، وتتفتح مغاليق دروبه.
فاتحة القراءة: الذاكرة في مواجهة صورتها
تنهض رواية «مستحيل.il» للكاتب الفلسطيني يوسف الشايب على سؤال وجودي يتجاوز الصراع على المكان إلى الصراع على معناه؛ فحين تُعاد هندسة الجغرافيا، وتُستنسخ صور الأشياء، وتتحول الذاكرة إلى مادة قابلة للأرشفة والتداول، يجد الإنسان نفسه أمام امتحان أشد قسوة من فقدان الوطن: أن يفقد حقه في رواية الوطن الذي فقده.
ومن مخيم قلنديا تنفتح الحكاية على عالم تتجاور فيه الأسطورة والتقنية، والوثيقة والخيال، والماضي والمستقبل المتخيل. وتتقدم شخصية أبي حسن بوصفها حاملًا لذاكرة تتشبث بماديتها في مواجهة عالم يختزل الوجود إلى صور وأرقام وشيفرات. ومن حوله تتكاثر المرايا والحواجز والوثائق، حتى يغدو الصراع على تمثيل الحقيقة امتدادًا للصراع على امتلاكها.
وتنبع خصوصية التجربة من تحويل الأشياء الهامشية إلى مراكز دلالية؛ فالمفتاح والسمكة والحفرة والراديو والمرآة تتجاوز وظائفها المباشرة، وتصبح شواهد على حياة تستعصي على الاستنساخ. ومن هنا تتجه هذه القراءة إلى استكشاف خمس بلاغات تتضافر في تشكيل العالم الروائي: بلاغة الأثر التي تحفظ الذاكرة، وبلاغة الامتناع التي تحرس الهوية، وبلاغة الارتياب التي تسائل سلطة الحكاية، وبلاغة الصمت التي تحول السكوت إلى خطاب مقاوم، وبلاغة السخرية التي تقوض هيبة السلطة وتفضح مفارقاتها. وتتآزر هذه البلاغات في نسيج جمالي واحد، تتعدد فيه طرائق التعبير، وتتحد غايته في صون الذاكرة واستعادة الإنسان حقه في امتلاك حكايته.
بلاغة الأثر: حين تتذكر الأشياء أصحابها
التعليقات (0)