في تمام الساعة الرابعة فجراً، وبينما كان الهدوء يخيم على أزقة قطاع غزة، انشق صمت الليل عن دوي انفجار هائل هز أركان المنطقة السكنية. استهدف صاروخ إسرائيلي شقة كانت تأوي عائلة في لحظات نومها، ليحول الجدران الآمنة في لمح البصر إلى كومة من الركام المشتعل وسحب الدخان الأسود الخانق.
وسط هذا الحطام، استيقظت طفلة صغيرة لتجد نفسها محاصرة بكتل الإسمنت والنيران بدلاً من وسادتها وأحلامها الوادعة. وقفت الصغيرة في حالة من الذهول التام، شاخصة ببصرها نحو الفراغ الذي خلفه الانفجار، وهي لا تدرك كيف تلاشت ألوان غرفتها وحل مكانها رماد الموت الذي غطى كل زاوية في المكان.
أفادت مصادر ميدانية بأن الطفلة قضت نحو خمس عشرة دقيقة وحيدة وسط الأنقاض قبل أن تصل أولى سيارات الإسعاف وعدسات الصحفيين إلى الموقع. كانت تلك الدقائق دهراً من الخوف المطلق، حيث لم يسمع في المكان سوى أزيز النيران وطنين الشظايا، بينما كانت الطفلة تنتظر يداً تمتد لانتشالها من كابوسها المروع.
على مسافة قريبة من موقع وقوف الطفلة، عثرت فرق الإنقاذ على جثمان سيدة تبلغ من العمر ثلاثة وثلاثين عاماً، قضت نحبها تحت ركام المنزل المدمر. ولم تتضح على الفور صلة القرابة الدقيقة، إلا أن المشهد جسد فاجعة الفقد التي تلاحق العائلات الفلسطينية، تاركة خلفها أرواحاً صعدت إلى السماء وأطفالاً يتحسسون الفراغ وحدهم.
تختصر هذه الواقعة يوميات الألم التي يعيشها سكان قطاع غزة، حيث تتحول الأخبار العاجلة على الشاشات إلى جروح مفتوحة في الواقع المعاش. ويغدو الاستيقاظ من النوم في غزة مجرد نجاة مؤقتة من موت يتربص بالمدنيين في كل فجر، محولاً البقاء على قيد الحياة إلى رحلة مستمرة من الصدمة والفقد.
التعليقات (0)