خلاصة القول: حين أوصت معظم الفصائل بتأجيل الانتخابات التشريعية، وصادقت اللجنة التنفيذية (يوم السبت 10 تشرين الأول) بالإجماع على ترحيلها إلى أيلول 2027، تكون بذلك قد كرست الوصاية بلا تفويض، وأدارت ظهرها لنبض الشارع ورغبته في عقدها، وأكدت عدم أهليتها لتمثيل جماهيرها، وانتقلت إلى حالة "إكرام الميت دفنه".
بهذا القرار، صادرت اللجنة التنفيذية حقنا في انتخاب من يمثلنا في المجلس التشريعي، واستجابت من حيث لا تدري للإرادة الإسرائيلية بمنع الانتخابات في القدس وغزة، بدلاً من الإصرار على عقدها، وفضح إسرائيل أمام العالم عند منعها، وتحميلها مسؤولية تعطيل مسار الإصلاح وتداول السلطة بالانتخاب لدينا. والمفارقة أن التحديات الوجودية التي نواجهها، لم تردع النظام السياسي عن تأجيلها، رغم أن عقدها كان سيشكل رافعة استراتيجية لإعادة ترتيب البيت الداخلي، وضخ دم جديد في السلسلة القيادية والتمثيلية. وفي ضوء التأجيل غير المسبب والتجارب السابقة، فإنني أشكك بعقدها في موعدها الجديد/البعيد، ما لم تتم بالإكراه الإقليمي والدولي.
منذ صدور مرسوم الانتخابات في 9 تموز 2026، الذي حدد يوم 28 تشرين الثاني موعداً للاقتراع، حَذَّرْتُ في أكثر من مقال من أنها لن تُعقد لأسباب داخلية وخارجية. ومع ذلك اقترحت استمرار التحضير لها حتى النهاية، وتذليل العقبات الداخلية التي قد تحول دون تنفيذها، حتى نحمّل الجانب الإسرائيلي مسؤولية وتبعات منعها في القدس وغزة.
لم يكن التأجيل مفاجأة لأحد، فليس في قاموس "الحركة الوطنية الرسمية" ما يُلزمها بتداول السلطة وتجديد الشرعية عبر الصندوق، وتاريخها متخماً بالتمثيل بالتعيين أو التزكية أو الانتخابات الصورية. ناهيك عن أن الإرادة السياسية لعقد الانتخابات غائبة منذ عقدين، على الرغم من الوعود والالتزامات بعقدها دورياً، من باب الاستجابة للمطالبات الشعبية وطنياً، والضغوط السياسية والاقتصادية إقليمياً ودولياً.
إن معظم فصائل اليوم، و م.ت.ف. بواقعها الحالي، غريبة عن تاريخها النضالي العريق، حين كانت تمثلنا بإرادتنا وخيارنا، بانتخاب أو بدونه، واعتبرناها إكسير حياتنا وأيقونتها، ولو كلفنا ذلك الاستشهاد أو الاعتقال الطويل. هذه الكيانات، تحتكرها اليوم قلة متنفذة متنمرة مستفيدة، تعتبر نفسها وتتصرف على أنها مالكة المشروع الوطني، وتستخدمها سيفاً عند الحاجة إلى تمرير ما يخدمها، ودليلي أنه لم يتجاوز حضورها في مشهد التأجيل دور الكومبارس. ولذلك، من غير المسموح أن يدعي أي فصيل جلس على طاولة اللجنة التنفيذية يوم قرار التأجيل أن القرار جاء خلافاً لإرادته، فقد كان المسرح مفتوحاً للتصويت ضد القرار، ولم نسمع بأن أياً منها فعل ذلك.
إن هذا ليس جديداً علينا. فمنذ استشهاد القائد الرمز ياسر عرفات عام 2004، درجت الفصائل على عقد لقاءات للبحث في ملف الوحدة الوطنية وتفعيل م.ت.ف.، من إعلان القاهرة (آذار 2005) إلى اتفاق مكة (شباط 2007)، الذي وُقّع في جوار الكعبة المشرفة، ولم يصمد أكثر من أربعة أشهر قبل أن ينتهي إلى الانقسام، فالقاهرة (أيار 2011)، فالجزائر (تشرين الأول 2022)، فبكين (تموز 2024). وفي كل مرة توقع الفصائل وثيقة شاملة لا يُشق لها غبار، تبشر بانطلاقة ثورية جديدة، وعفا الله عما مضى، ثم يكتشف الشعب، مجدداً، أنها كلام قاصر يذوب على عتبات القيادة الأبدية، يتدثر به النظام السياسي لإحكام سيطرته، بينما يتعمق احتكار السلطة ومنافعها والتلاعب بمصير الأمة. أما الشعب، فلم يسأله أحد رأيه في أي منها.
التعليقات (0)