f 𝕏 W
أثر الفراشة في الطابور الصباحي. من الرسالة إلى السلوك.

جريدة القدس

سياسة منذ 40 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

أثر الفراشة في الطابور الصباحي. من الرسالة إلى السلوك.

الأربعاء 14 أكتوبر 2026 8:49 صباحًا - بتوقيت القدس

ليس أهم ما في الطابور الصباحي أن يقف الطلاب في صفوف منتظمة أو أن تنتهي فقراته في وقت محدد. تبدأ أهميته الحقيقية بسؤال بسيط. ماذا نريد أن يحمل الطالب معه عندما يغادر الساحة إلى صفه.من زاوية الإدارة التربوية لا يقاس نجاح الطابور بعدد فقراته أو بطول الكلمة التي تلقى فيه. يقاس بما يفتحه من معنى مشترك لبداية اليوم. حين تحيي المدرسة طلابها وتذكرهم بالاحترام والاجتهاد والمسؤولية فهي تعلن نوع البيئة التي تسعى إلى بنائها. لكن الرسالة تكتسب معناها الأوضح حين يجد الطالب ما يساندها في تفاصيل يومه.فالطالب لا يتعلم الاحترام من سماع الكلمة وحده. يراه في نبرة المعلمة وفي إنصاتها وفي طريقتها حين تصحح الخطأ. ولا يصبح النظام قيمة لمجرد أن التعليمات كتبت على لوحة. يفهم الطالب معناه حين يكتشف أن النظام يحفظ حقه وحق زملائه في التعلم.وتقدم نظرية التعلم بالملاحظة عند ألبرت باندورا مدخلا لفهم هذا الدور. فالتعلم من النموذج لا يعني أن الطالب يقلد كل ما يراه تلقائيا. بل يتصل بما ينتبه إليه وما يتذكره وبقدرته على أداء السلوك وبالدافعية إليه. لذلك لا تكون مربية الصف ناقلة لتعليمات المدرسة فقط. فهي أحد النماذج التي تساعد الطالب على فهم ما تعنيه تلك التعليمات في الممارسة.إذا دعت الرسالة الصباحية إلى الكلمة الطيبة ثم استقبلت المعلمة طلابها بهدوء واحترام فقدمت لهم مثالا ملموسا على القيمة. وإذا حث الطابور على الالتزام بالوقت ثم بدأت الحصة باستعداد ووضوح فقد ربطت الرسالة بخبرة يومية يراها الطالب. ولا يضمن موقف واحد أن يتبنى الطالب السلوك. لكنه قد يعزز معنى القيمة حين يتكرر ويجد ما يدعمه.لهذا لا ينبغي النظر إلى الطابور الصباحي وبداية الحصة بوصفهما مشهدين منفصلين. الطابور رسالة عامة تخاطب جماعة المدرسة. أما اللقاء الأول في الصف فيمنح هذه الرسالة فرصة لتأخذ صورة قريبة من حياة الطالب. هناك يسمع أن النجاح يحتاج إلى جهد. وهنا يجد من يشجعه حين يحاول ويساعده على النهوض بعد التعثر. وهناك يسمع أن احترام الآخرين مهم. وهنا يتعلم أن زميله يستحق أن يصغي إليه وأن الخطأ لا يبرر السخرية وأن الاختلاف لا ينتقص من مكانة أحد.

يمكن فهم هذا الترابط بوصفه أثرا تربويا تراكميا. تبدأ الفكرة بقيمة معلنة ثم تجد ما يترجمها في سلوك الكبار. يلاحظها الطالب ويجربها في علاقته بالآخرين. وحين يلقى السلوك تقديرا عادلا يصبح تكراره أيسر. لا يحدث هذا بصورة آلية ولا تتحقق الحلقة في كل يوم. لكنه يوضح كيف يمكن للرسالة أن تقوى حين يتسق القول مع الممارسة.وتستحق الدقائق الأولى من الحصة عناية خاصة. فالتحية الهادئة والسؤال الصادق وملاحظة الطالب المنسحب وتقدير الجهد قد تسهم في مناخ يشعر فيه الطالب بالاحترام والقدرة على السؤال والمحاولة دون خوف من الإهانة أو السخرية. وهذا ما نقصده بالأمان في الصف. وليس المقصود أن كل طالب سيشارك بالطريقة نفسها أو أن دقائق الصباح وحدها تصنع هذا الشعور. فالمناخ الآمن يتكون عبر علاقات وممارسات متكررة داخل المدرسة.ولا يحتاج هذا الدور إلى خطاب طويل. كلمة صباح الخير وسؤال صادق وتقدير لمحاولة طالب وتذكير هادئ بقواعد الصف قد تهيئ بداية أفضل. وتكمن القيمة في الاستمرار والإنصاف أكثر من كثرة الكلام. فما يراه الطالب في المواقف اليومية قد يسهم مع الوقت في تشكيل اختياراته وسلوكه.ولا تقع مسؤولية هذا الاتساق على مربية الصف وحدها. فالمدرسة كلها معنية بأن تنسجم رسائلها مع الطريقة التي يعامل بها الكبار الطلاب. لذلك يمكن للإدارة أن تسأل. هل يعرف المعلمون قيمة اليوم ومحوره. وهل يستطيعون ربطها بموقف مناسب في الحصة. وهل يجد الطالب في تعامل الكبار ما يوافق ما سمعه في الساحة.قد لا يظهر أثر هذه الممارسات فورا في علامة أو اختبار. لكنه قد ينعكس في تفاصيل صغيرة. في احترام طالب لزميله. وفي شجاعة طالبة على المشاركة. وفي صف يرى النظام حقا مشتركا لا مجرد ضغط. قد تبدأ الحكاية بدقائق في الساحة ثم يواصل معناها طريقها عبر مواقف صغيرة تتكرر. وربما هنا تكمن قوة البداية البسيطة حين تجد ما يسندها في اليوم كله وما يبقى مع الطلاب طويلا.

أثر الفراشة في الطابور الصباحي. من الرسالة إلى السلوك.

أحمد المالكي: رئيس مركز شؤون دولية باللغة العربية للدراسات السياسية والإعلامية

اللواء أحمد عيسى باحث متخصص في دراسات الأمن ىالقومي الفلسطيني والإسرائيلي

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)