الأربعاء 14 أكتوبر 2026 8:47 صباحًا - بتوقيت القدس
تمتلك القضية الفلسطينية فرادة وخصوصية تجعل التنظير لها ومقارنتها بقضايا أخرى أمراً بالغ التعقيد. فنحن أمام استعمار استيطاني إحلالي يستهدف الأرض والسكان والهوية، في ظل اختلال فادح في موازين القوى، ونظام سياسي مأزوم، وحركة وطنية تعاني الانقسام وتآكل الشرعية. وبعد عام على وقف إطلاق النار المزعوم في غزة، لم تدخل القضية مرحلة ما بعد الصراع، ولم تتشكل شروط التعافي، ولم تتوقف الحرب فعليا. تغيرت أدواتها وأشكالها، لكن التدمير والحصار والقتل والتهجير والضغط على مقومات الحياة استمرت، بالتوازي مع تصاعد عنف المستوطنين في الضفة الغربية، وتراجع الاهتمام العالمي، وانشغال الإقليم بحروب وصراعات تتجاوز القضية الفلسطينية وتؤثر في مساراتها.يكشف هذا المشهد عن مأزق يتجاوز إدارة الكارثة الإنسانية أو استعادة المؤسسات قدرتها على العمل. إنه مأزق إعادة بناء الإرادة الوطنية وأدواتها في لحظة انكشاف استراتيجي، تتراجع فيها قدرة الفلسطينيين على التأثير في مسار الصراع، فيما تواصل إسرائيل فرض الوقائع على الأرض وتوظيف التفوق العسكري والسياسي لتقليص المجال المتاح للمشروع الوطني. وقد أضاف تأجيل الانتخابات، واستمرار الانقسام، وغياب تصور فلسطيني متوافق عليه لما بعد الإبادة، دليلا جديدا على هشاشة النظام السياسي وعجزه عن تحويل التضحيات والصمود إلى مشروع سياسي قابل للحياة.في هذا السياق، تبدو الاستعانة بمفهوم "الكتلة التاريخية" عند أنطونيو غرامشي مغرية، لما ينطوي عليه من ربط بين القوى الاجتماعية والسياسية والثقافية حول مشروع تحرري مشترك. غير أن صلاحية المفهوم للحالة الفلسطينية تستحق التشكيك، إذا استُخدم بوصفه روشته جاهزة أو افتراضا بأن جمع القوى المتباعدة حول برنامج وطني ممكن بمجرد توافر الإرادة والحوار. فالواقع الفلسطيني لا يفتقر إلى المصالح المشتركة وحدها، بل يعاني أيضا بنى سياسية وتنظيمية رسخت الانقسام، ومصالح مؤسسية تعيد إنتاجه، وثقافة سياسية تنظر إلى التغيير بوصفه تهديدا لمواقع قائمة. وتملك القوى المهيمنة، في ركني النظام المنقسم، قدرة على الممانعة والاحتواء وتعطيل البدائل، كما تستطيع القبول بتسويات دون سقف المشروع الوطني، متى كان البديل يهدد بقاءها أو امتيازاتها.من هنا، قد تتحول الدعوة إلى بناء كتلة تاريخية إلى تصور رومانسي يتجاوز عناد الواقع، إذا افترضت أن القوى القائمة قادرة على مراجعة ذاتها والتنازل عن احتكار التمثيل والقرار، أو أن المؤسسات القديمة تستطيع تجديد نفسها من دون ضغط اجتماعي مستقل. فالمشكلة لا تكمن في غياب برنامج مشترك فحسب، وإنما في غياب حامل سياسي واجتماعي قادر على إنتاجه وفرضه، وفي افتقار المجتمع إلى أدوات منظمة لتحويل رفضه للواقع إلى قوة تغيير مستدامة.طبعا، لا يعني هذا التخلي عن فكرة الائتلاف الوطني أو استبعاد القوى والمؤسسات القائمة. فالمطلوب هو تغيير نقطة البداية. بدلا من افتراض وجود كتلة تاريخية تنتظر التشكيل، ينبغي البحث عن شروط نشوء ذات وطنية جديدة، أو فاعل سياسي واجتماعي يتشكل تدريجيا من التقاء فئات وجماعات لا تنضوي بالضرورة تحت راية أي من طرفي الانقسام. ويمكن أن تشمل هذه الفئات النقابات والاتحادات المهنية والعمالية، والنساء والشباب، والبلديات والهيئات المحلية، والمؤسسات الأهلية، والمبادرات المجتمعية، والأكاديميين والمثقفين، وشخصيات وطنية مستقلة، وقطاعات من القواعد الفصائلية التي لم تعد ترى في البنى القائمة تعبيرا كافيا عن تطلعاتها.لا تتوافر لهذه المجموعات، في وضعها الراهن، هوية سياسية موحدة أو برنامج متكامل أو قدرة مستقلة على تغيير موازين القوى. ومن الخطأ التعامل معها باعتبارها بديلا جاهزا أو افتراض أنها ستتجاوز خلافاتها تلقائيا. لكنها قد تمثل نقطة انطلاق لتكوين حامل جديد، إذا انتقلت من المبادرات المتفرقة إلى التنظيم والتنسيق، ومن التعبير عن المظالم إلى صياغة المصالح المشتركة، ومن الاستجابة لحاجات البقاء إلى بلورة تصور سياسي لمستقبل الفلسطينيين.
يقتضي ذلك بناء تخيل وطني مشترك، لا يبدأ بالتوافق على جميع القضايا الخلافية، بل بتحديد الحد الأدنى الذي يسمح باستعادة المبادرة. ويتمثل هذا الحد في حماية الوجود الفلسطيني على أرضه، ورفض التهجير والوصاية الخارجية، وربط التعافي وإعادة الإعمار بالحقوق الوطنية، واستعادة وحدة الأرض والشعب والقضية، وإعادة بناء نظام سياسي ديمقراطي خاضع للمساءلة. ويجب أن يظل التحرر الوطني أفق هذا التخيل، حتى لا تتحول إدارة السكان تحت الاحتلال إلى غاية سياسية، أو يصبح تحسين شروط البقاء بديلا عن تغيير الشروط التي تنتج الهشاشة والاعتماد والتبعية.عمليا، يمكن البدء بثلاثة مسارات متوازية. الأول، بناء شبكات مستقلة للتنظيم المجتمعي في الأحياء ومراكز الإيواء والتجمعات الريفية، تتولى حماية المصالح اليومية، ومراقبة المساعدات، وتحديد أولويات التعافي، وتسوية النزاعات المحلية، والدفاع عن الأرض ومقومات الحياة. والثاني، إنشاء منصات تنسيق وطنية عابرة للانقسام، تنطلق من النقابات والهيئات الأهلية والبلديات والمبادرات الشبابية والنسوية، وتنتج أوراق موقف ومبادرات مشتركة، مع ضمان استقلال القرار عن الهيمنة الفصائلية. والثالث، إطلاق مسار تراكمي لصياغة برنامج كفاحي يربط المقاومة الشعبية المنظمة، والعمل الحقوقي والدبلوماسي، ومقاومة الاستيطان، وحماية المدنيين وطلب الحماية الدولية، بإعادة بناء التمثيل الوطني والشرعية الديمقراطية.ولا ينبغي أن تتحول هذه المسارات إلى هياكل إضافية بلا وظيفة، أو إلى قيادة موازية تتنافس على التمثيل قبل أن تبني قاعدة اجتماعية. فنجاحها يقاس بقدرتها على تنظيم الناس، وتحقيق نتائج ملموسة، وتطوير آليات مساءلة وانتخاب داخلي، وتوسيع المشاركة، واختبار قدرتها على الصمود أمام الاحتواء والقمع. كما أن العلاقة مع مؤسسات ما قبل السابع من أكتوبر يجب أن تقوم على التمييز بين الاستفادة من خبراتها ومواردها وبين التسليم باحتكارها القرار؛ فلا قطيعة شاملة مع التاريخ المؤسسي للحركة الوطنية، ولا إعادة إنتاج له من دون تغيير.إن الاعتراف بحجم الهزيمة التي لحقت بالفلسطينيين في هذه المرحلة، وبالمكاسب التي حققتها إسرائيل، شرط لفهم الواقع وتقدير الكلفة والقدرة. لكنه لا يبرر التسليم بالهزيمة التاريخية، كما لا يكفي التمسك بخطاب الصمود والمقاومة من دون مراجعة نقدية للخيارات والنتائج. المطلوب تحويل التجربة إلى معرفة سياسية، والمعرفة إلى تنظيم، والتنظيم إلى قدرة على التأثير في القرار.قد لا تكون "الكتلة التاريخية" نقطة البداية الملائمة للحالة الفلسطينية اليوم؛ فشروطها السياسية والاجتماعية لم تنضج، والنظام القائم قد يعيق تشكلها. لكن يمكن أن تصبح أفقا محتملا لعملية أطول تبدأ بتكوين حامل اجتماعي مستقل، وتطوير تخيل وطني مشترك، وبناء أشكال متدرجة من الفعل والتنظيم والمساءلة. عندها فقط يصبح الائتلاف الوطني نتيجة لمسار من التغيير، لا أمنية تتجاوز الواقع. فاستعادة الإرادة الوطنية لن تتحقق بمجرد الدعوة إلى الوحدة، بل ببناء القوى الاجتماعية والسياسية القادرة على جعلها ممكنة وذات معنى.
بعد عام على وقف إطلاق النار المزعوم: مأزق الإرادة الوطنية والبحث عن بديل واقعي
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
عماد الافرنجي: صحفي ومحاضر جامعي
التعليقات (0)