الأربعاء 14 أكتوبر 2026 8:49 صباحًا - بتوقيت القدس
في فلسطين، تستطيع الفصائل أن تختلف سنوات على برنامج سياسي، وأن تتصارع على الشرعية والتمثيل والمقاومة والتسوية، وأن تتبادل الاتهامات بالخيانة والتفريط والهيمنة. لكنها، عندما يصل الأمر إلى صندوق الاقتراع، تكتشف فجأة أن الوطن مليء بالعقبات، وأن الديمقراطية تحتاج إلى توافقات، وأن الشعب عليه أن يتحلّى بالصبر!في 10 تشرين الأول/أكتوبر 2026، أُعلن تأجيل الانتخابات التشريعية التي كانت مقررة في 28 تشرين الثاني/نوفمبر، إلى 11 أيلول/سبتمبر 2027، بالتزامن مع الانتخابات الرئاسية. وهكذا أُضيف موعد جديد إلى سجل الانتظار الفلسطيني، فيما بقي السؤال الأهم بلا إجابة مقنعة: من يضمن أن الموعد الجديد لن يلحق بسابقيه؟لا أحد ينكر أن الاحتلال الإسرائيلي يفرض قيودًا حقيقية على الحياة السياسية الفلسطينية، وأن القدس الشرقية وغزة تواجهان ظروفًا استثنائية تجعل إجراء انتخابات حرة وشاملة تحديًا بالغ الصعوبة. لكن الاحتلال، مهما بلغت مسؤوليته، لا يعفي القيادة الفلسطينية من مسؤولية البحث عن حلول، ولا يمنح الفصائل حق تحويل الاستثناء إلى قاعدة، وتعليق الديمقراطية إلى أجل غير معلوم.المشكلة ليست أن الانتخابات تأجلت مرة أخرى فحسب؛ المشكلة أن تأجيلها أصبح أسهل من محاسبة الذين يملكون قرارها.المشهد السياسي بعد قرار التأجيل يستحق أكثر من بيانات الرفض والاستنكار. فكل طرف يعلن موقفه، ويشرح مبرراته، ويدعو إلى الحوار الوطني، لكن السؤال الذي ينبغي أن يسبق كل هذه البيانات هو: هل تريد الفصائل انتخابات تتيح للشعب تغيير موازين القوى، أم انتخابات تجري ما دامت نتائجها لا تهدد حساباتها؟خذوا حركة حماس مثالًا. كيف يمكن لحركة كانت طرفًا رئيسيًا في الانقسام الفلسطيني منذ عام 2007، وأحد أطراف معادلة سياسية لم تنجح في إنهاء الانقسام أو تجديد المؤسسات عبر الانتخابات، أن تتعامل مع تأجيل جديد بوصفه مدخلًا للحوار والإصلاح؟ إذا كانت الحركة تتمسك بالديمقراطية، فكيف تفسر موقفها من قرار يمدد غياب الانتخابات، وما الذي ستفعله لضمان ألا يتحول الحوار المقترح إلى محطة أخرى في رحلة التأجيل؟
والسؤال نفسه موجّه إلى حركة فتح، وإلى بقية الفصائل: ما قيمة الاعتراض على التأجيل إذا لم يتحول إلى موقف عملي يطالب بموعد ملزم، وآلية واضحة للمحاسبة، وضمانات تمنع تكرار ما حدث؟لسنا بحاجة إلى اختراع صفقة سرية أو الجزم بأن جميع القيادات اتفقت في الغرف المغلقة على حماية امتيازاتها. يكفي أن نضع النتيجة أمام أصحاب القرار: مؤسسات بلا تجديد انتخابي، وشعب محروم من اختيار ممثليه، وقيادات تستمر في مواقعها، فيما تتآكل الثقة بإمكانية التغيير السلمي.وهنا يبرز ما يمكن تسميته سراب الامتيازات: أن يعتقد السياسي أن بقاءه في موقعه دليل على استمرار شرعيته، بينما الحقيقة أن استمرار الموقع لا يثبت شيئًا عن استمرار التفويض الشعبي. يبدو أن بعض سياسيينا يريدون الديمقراطية كاملة المواصفات في الخطب، ومخفّضة المواصفات عند التطبيق؛ صندوق اقتراع حين تكون نتائجه مضمونة، وحوار وطني حين تصبح النتائج مجهولة!هنا تظهر مفارقة أخرى: كيف نعلن رفض التأجيل، ثم نطالب بضمانات لإجراء الانتخابات في أيلول/سبتمبر 2027؟ أليس في ذلك تناقض؟ليس بالضرورة. فرفض التأجيل من حيث المبدأ لا يتعارض مع المطالبة بضمانات تحمي الموعد الجديد من التأجيل مرة أخرى. التناقض الحقيقي أن نرفع شعار الرفض، ثم نقبل بعملية سياسية مفتوحة لا تحدد مسؤوليات واضحة، ولا تضع سقفًا زمنيًا ملزمًا، ولا تحاسب من يعطّل الاستحقاق.الضمانات ليست بيانًا رئاسيًا جديدًا، ولا صورة جماعية للفصائل حول طاولة حوار، ولا تعهدًا يختفي بمجرد ظهور خلاف سياسي. المطلوب جدول زمني معلن، وتمكين لجنة الانتخابات من أداء مهامها، وتحديد العقبات التي يمكن معالجتها، ومواجهة القيود الإسرائيلية بتحرك سياسي وقانوني ودولي جاد، مع آلية واضحة لمساءلة كل طرف فلسطيني يعرقل ما يقع ضمن مسؤوليته.أما أن نترك الباب مفتوحًا أمام شروط لا تنتهي، ثم نعود إلى الشعب لنطلب منه تفهّم تأجيل جديد، فهذه ليست ضمانات؛ إنها إدارة أنيقة للأزمة نفسها.لقد آن الأوان لأن تدرك الفصائل أن الانتخابات ليست منحة من القيادة، ولا مناسبة لتوزيع المقاعد، ولا أداة لتجديد شرعية على المقاس. إنها حق للمواطن، ووسيلة لمحاسبة المسؤولين، وفرصة لإعادة بناء مؤسسات تستمد قوتها من إرادة الناس.لا نطالب بانتخابات تتجاهل الاحتلال، بل بقيادة تواجه الاحتلال ولا تستخدم وجوده لتبرير عجزها الداخلي. ولا نطالب بمواعيد شكلية، بل باستحقاق تحميه إرادة سياسية وإجراءات قابلة للمحاسبة.الفصائل مطالبة اليوم بأن تجيب بوضوح: هل تخشى على الديمقراطية من الاحتلال وحده، أم تخشى أيضًا ما قد تقوله صناديق الاقتراع؟فالشعب الذي دفع أثمان الاحتلال والانقسام والحصار لا يجوز أن يدفع ثمنًا إضافيًا اسمه الانتظار الدائم.المناصب قد تُحمى بالتوافقات، أما الشرعية فلا يحميها إلا صندوق الاقتراع. والشعب ليس موظفًا عند الفصائل حتى ينتظر إذنها كي يختار من يحكمه.
ديمقراطية على مقاس الفصائل… والشعب ينتظر!
عماد الافرنجي: صحفي ومحاضر جامعي
أحمد عثمان جلاجل: صحفي مقدسي من بلدة سلوان
التعليقات (0)