f 𝕏 W
أزمة السياسة الفلسطينية: من الانتماء إلى الارتهان الفكري

جريدة القدس

سياسة منذ 42 دق 0 3 د قراءة
زيارة المصدر ←

أزمة السياسة الفلسطينية: من الانتماء إلى الارتهان الفكري

ليست أزمة السياسة الفلسطينية مجرد خلاف على البرامج، أو تنازع على السلطة، أو عجز عن التوافق على استراتيجية وطنية. فهذه مظاهر لأزمة أعمق تتصل بطبيعة الوعي السياسي، وبالعلاقة بين الفرد والتنظيم والحقيقة والمسؤولية. فرغم ما راكمته التجربة الوطنية من خبرة وتضحيات، لم تنجح البيئة السياسية الفلسطينية في تحويلها إلى قدرة مستدامة على التعلم والمراجعة. وأصبح الانتماء، في كثير من الحالات، أقوى من الاستعداد لإعادة النظر، وتحولت السياسة من مجال لاختبار الأفكار وتطويرها إلى مساحة للدفاع عن المواقف الموروثة وتبريرها.

تبدأ المشكلة حين يتحول التفكير من وسيلة لاختبار القناعات إلى أداة لحمايتها. ينتقي الفرد الوقائع التي تؤكد موقفه، ويعيد تأويل ما يناقضه، ثم يجد في خطاب جماعته ما يسند تفسيره ويمنحه شرعية إضافية. ومع تكرار هذه العملية، يتحول الانحياز الفردي إلى نمط جماعي يحدد ما يمكن قوله، وما يجوز نقده، وما ينبغي تجاهله. وعندما تتراكم الإخفاقات من دون مراجعة حقيقية، يصبح التبرير بديلا عن التعلم، وتتحول التجربة من مصدر للمعرفة إلى وسيلة لتحصين المواقف القائمة.

الانتماء حين يصبح بديلا عن التفكير

ينشأ الانتماء السياسي من الاقتناع بفكرة أو مشروع، ويمنح الفرد معنى وقدرة على العمل الجماعي. لكنه يتحول إلى مشكلة حين يصبح معيارا للحكم على الوقائع بدلا من أن يكون دافعا لفهمها وتغييرها. عندئذ لا تعود صحة الموقف هي المعيار، بل هوية صاحبه؛ فيدان الفعل عندما يصدر عن الخصم، ويبرر عندما يصدر عن الحليف، وتفسر الأخطاء الذاتية بالظروف، فيما تعد أخطاء الآخرين دليلا على فساد خياراتهم.

ولا ينشأ هذا التناقض دائما عن خداع متعمد، بل قد يرتبط بصعوبة الفصل بين نقد الجماعة ونقد الذات. فالاعتراف بخطأ القيادة قد يبدو اعترافا بخطأ سنوات من التأييد والدفاع، ومراجعة الرواية التنظيمية قد تبدو تخليا عن تاريخ من التضحيات. لذلك يصبح التمسك بالموقف السابق أقل كلفة من مراجعة الذات، حتى عندما تتراكم الوقائع التي تستدعيها.

وهنا ينبغي التمييز بين الولاء الواعي والطاعة الفكرية. فالولاء لقضية أو تنظيم لا يقتضي التسليم بصواب كل قرار، ولا يلغي حق الفرد في التفكير المستقل وتقييم الخيارات والنتائج. بل إن الانتماء الناضج يفترض القدرة على الاعتراض حين تقتضي المصلحة العامة ذلك، والتمييز بين الوفاء للمشروع الوطني والدفاع عن الأشخاص أو القيادات. أما حين يصبح النقد دليلا على ضعف الولاء، والاستقلال في الرأي موضع شبهة، فإن الانتماء يفقد معناه التحرري ويتحول إلى قيد على العقل الذي يفترض أن يخدم القضية.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)