لم تقتصر خسائر الرياضة في غزة على الرياضيين الذين استشهدوا، أو الملاعب التي تحولت إلى ركام؛ فثمة خسارة أخرى لا تظهر في قوائم الضحايا ولا تُقاس بعدد المنشآت المدمرة، تتمثل في جيل من الأطفال والشباب حُرم من اللعب والتدريب والمنافسة، وفقد المساحات التي كان يمكن أن تصنع منه لاعبين في المستقبل.
قبل الحرب، كانت الملاعب والأندية والأكاديميات الرياضية تشكل محطات أساسية في حياة آلاف الأطفال، الذين وجدوا فيها فرصة لتطوير مواهبهم، وتعلم الانضباط والعمل الجماعي، والحلم بارتداء قميص نادٍ أو منتخب. لكن الحرب قلبت هذه المعادلة، وأصبح البقاء وتوفير الاحتياجات الأساسية يتقدمان على أي فرصة لممارسة الرياضة.
في الظروف الطبيعية، يحتاج اللاعب الشاب إلى سنوات من التدريب المنتظم، ومرافق مناسبة، ومدربين قادرين على متابعة تطوره، ومنافسات تمنحه فرصة اختبار قدراته. وحين تتوقف هذه المنظومة، لا يخسر اللاعب مباراة أو موسماً فحسب، بل يفقد جزءاً من مساره الرياضي، وقد تتراجع فرصته في الوصول إلى المستويات التي كان يطمح إليها.
وتزداد صعوبة استعادة هذا المسار عندما تتزامن خسارة التدريب مع النزوح وتدمير المنشآت وتشتت المجتمعات المحلية. فالموهبة وحدها لا تكفي لصناعة لاعب، بل تحتاج إلى بيئة تحميها وتمنحها الوقت والإمكانات اللازمة للنمو، وهي عناصر بات الوصول إليها أكثر تعقيداً في واقع غزة الذي خلفته الحرب.
لم تعد الرياضة في حياة كثير من العائلات أولوية يمكن التفكير فيها وسط النزوح والخوف ونقص الاحتياجات الأساسية. فالطفل الذي كان ينتظر موعد التدريب أو يتطلع إلى مباراة جديدة، باتت حياته اليومية مرتبطة بتأمين احتياجاته الأساسية والبحث عن مكان أكثر أمناً، فيما فقدت أسر كثيرة القدرة على توفير متطلبات النشاط الرياضي.
ولا يعني ذلك أن الرغبة في اللعب اختفت، بل إن المساحات والظروف التي تسمح بممارسته تراجعت بشدة. فحين تغيب الملاعب الآمنة والتجهيزات والمدربون، يصبح استمرار التدريب تحدياً يتجاوز إرادة اللاعب نفسه، وتتحول ممارسة الرياضة إلى محاولة للتمسك بجزء من الحياة التي عرفها قبل الحرب.
التعليقات (0)