في ظل عدم وجود تطبيق خرائط دقيق من شركات التكنولوجيا الكبرى لمساعدته، أنشأ أنس حطاب مجموعة على "تيليجرام"؛ ليتمكن من العودة إلى منزله ليلاً. واليوم، يعتمد عليها ما يقرب من 350 ألف فلسطيني للتنقل في الضفة الغربية المحتلة.
في المرة الأولى، التي كان من المفترض أن نلتقي فيها أنس حطاب، ألغى الموعد في اللحظة الأخيرة. لم يكن بوسعه الانتقال من منزله في طولكرم، شمال الضفة الغربية، إلى رام الله جنوباً، حيث كان موعد لقائنا، ثم العودة قبل حلول الظلام. تلك الرحلة، التي كانت تستغرق ساعة في السابق، غالباً ما تتطلب الآن ساعتين إلى ثلاث ساعات، وفي بعض الأيام وقتاً أطول بكثير، بسبب الحواجز العسكرية الإسرائيلية على الطريق.
في الثلاثين من عمره، باتت الحواجز الإسرائيلية محور حياة حطّاب، وربما أكثر من أي فلسطيني آخر في الضفة الغربية المحتلة. لكنه لم يكتفِ بالتكيّف معها، بل غيّر طريقة تعامل مجتمعه معها أيضاً. إذ يتابع مجموعته المرورية على تيليغرام نحو 350 ألف شخص، بعدما سدّت ثغرة عجزت تطبيقات الملاحة الكبرى عن معالجتها، تاركة المستخدمين الفلسطينيين من دون معلومات موثوقة. وتعتمد محطات إذاعية محلية على تحديثاته لإعداد فقراتها المرورية كل ساعة، فيما تستعين بها منظومة لتحديد المسارات تستخدمها شركات في الضفة الغربية، إلى جانب تطبيق محلي جديد يدمج بياناته في خدماته.
بدأ الأمر عام 2019. كان حطاب يعمل نهاراً مصمماً رقمياً في إحدى الصحف في رام الله. وعندما تنتهي ورديته الأولى، تبدأ وردية ثانية، هذه المرة سائق توصيل للصحيفة. وهذا يعني أن حطاب كان يضطر في معظم الليالي إلى القيادة في جميع أنحاء الضفة الغربية. بعد تحميل الأعداد الجديدة في سيارته، كان يقود شمالاً، ماراً بمدينتي نابلس وجنين، ليصل في النهاية إلى منزله في طولكرم عند الفجر. كان يراوغ الاقتحامات العسكرية الإسرائيلية، والمستوطنات التي كان عليه الالتفاف حولها، والأهم من ذلك كله، الحواجز غير المتوقعة، التي قد تتسبب في تأخيرات تستمر لساعات، ناهيك عن تفتشيه وسيارته من قبل جنود إسرائيليين مسلحين. على مدى عقود، فرضت إسرائيل قيوداً، أو حظرت مرور المركبات الفلسطينية، من العديد من الطرق الرئيسية عبر الضفة الغربية، في حين تمر المركبات الإسرائيلية بحرية. ولا تأخذ تطبيقات الملاحة الشهيرة، مثل خرائط غوغل أياً من ذلك في الحسبان. فهي لا تحدد مواقع الـ942 حاجزاً وبوابة وعائقاً آخر (التي تقسم الأراضي حالياً)، وتختار افتراضياً ما تعده خوارزمياتها أسرع الطرق، حيث يمر الكثير منها عبر المستوطنات والمناطق الخاضعة للسيطرة الإسرائيلية. ويخاطر السائق الفلسطيني، الذي يتبع توجيهاتها، بالتعرض للاعتقال أو الغرامة أو إطلاق النار عليه.
استنزفت حطّابَ رحلةُ التنقل عبر هذه الطرق الملتبسة، ليلةً بعد أخرى. وكان يدرك أنه ليس وحده من يعاني ذلك. يقول: "كان الناس يخشون مغادرة محافظاتهم". وفي صميم هذا الخوف، كان ثمة فراغ في المعلومات؛ لذا بدأ يفكر في وسيلة لسدّه، من أجله ومن أجل كل فلسطيني آخر في الضفة الغربية.
قبل سبع سنوات، أطلق حطاب مجموعة على تيليغرام باسم "أحوال الطرق وحواجز الاحتلال". كانت الفكرة أن يتبادل الناس المعلومات فيما بينهم حول التحركات عند الحواجز؛ يحذرون بعضهم بعضا من التأخيرات أو الإغلاقات، ومن وجود المستوطنين أو اقتحامات الجيش الإسرائيلي. نشر حطاب الرابط في مجموعات الأخبار المحلية. في البداية، انضمّ إليها عدد قليل، لكن مع تزايد الحواجز منذ عام 2022، وتفاقم التأخير، تدفّق المستخدمون إليها بأعداد كبيرة.
التعليقات (0)