لطالما كانت العاطفة أحد العوامل التي تؤثر في قرارات الإنسان، فيما ارتبطت الآلة بصورة النظام الذي لا تحكمه الانفعالات، فالإنسان قد يشتري ما لا يحتاجه لأنه قلق، أو يتخذ قرارا متسرعا لأنه غاضب، أو يرى العالم من زاوية مختلفة عندما يكون تحت الضغط. أما الآلة، فكان يفترض أن تظل بمنأى عن هذه التقلبات، وألا ينتقل أثر يوم سيئ إلى قرار تتخذه.
لكن الحدود بين الاثنين بدأت تصبح أقل وضوحا، فالآلة لا تحتاج إلى قلب ينبض حتى يتغير سلوكها تحت تأثير السياق العاطفي. يكفي أن تتلقى إشارات عن الضغط أو القلق، أو أن تبني صورة عن الشخص الذي تتصرف نيابة عنه، حتى يتغير ما تفعله. القرار قد يبقى أمامها بالخيارات نفسها، والمهمة قد تبقى هي نفسها، لكن الطريق الذي تسلكه للوصول إلى القرار يمكن أن يتغير.
وتصبح هذه المفارقة أكثر أهمية مع انتقال الذكاء الاصطناعي من مرحلة الإجابة إلى مرحلة الفعل، ومن نموذج يقترح عليك ما تشتري، إلى وكيل يشتريه، ومن أداة تنفذ تعليماتكَ، إلى وكيل يحاول أن يتصرف بالطريقة التي يعتقد أنك كنت ستتصرف بها.
في هذه المنطقة تحديدا، لم تعد المسألة متعلقة بما إذا كانت الآلة تشعر بالعاطفة، بقدر ما تتعلق بما إذا كان السياق العاطفي قادرا على تغيير أفعالها.
هذه ليست مجرد استعارة عن آلة تتصرف كالبشر، بل سلوك بدأ يظهر في التجارب على نماذج الذكاء الاصطناعي، ففي دراسة حديثة نشرت في مجلة "إن بي جيه الذكاء الاصطناعي" (npj Artificial Intelligence) التابعة لمجموعة "نيتشر" (nature)، اختبر باحثون كيف يمكن للسياق العاطفي المحيط بالمهمة أن يغير سلوك وكلاء الذكاء الاصطناعي، إذ وضع الباحثون هؤلاء الوكلاء أمام مهمة تسوق في بيئة تجزئة محاكاة، طُلب منهم خلالها اختيار مواد غذائية ضمن ميزانية محددة.
بعد تنفيذ المهمة في سياق محدد، أعيدت التجربة بعد تعريض الوكلاء لسرديات شخصية صُممت لاستحضار حالة من القلق، من دون تغيير المهمة الأساسية أو قيودها. وأجريت الدراسة عبر ثلاثة نماذج للغة بإجمالي 2250 تجربة. وعندما تغير السياق، اتجهت السلال التي كونوها إلى خيارات غذائية أقل صحة مقارنة بالحالة المحايدة، وهو ما ظهر بصورة متسقة عبر النماذج التي اختبرتها الدراسة.
التعليقات (0)