ليست قضية الأسرى الفلسطينيين مجرد أرقام تتغير كل يوم، أو أسماء تُتلى في البيانات، أو أخبار عابرة تظهر على شاشات الهواتف ثم تختفي؛ إنها قضية وطن وذاكرة وكرامة وحرية، وقضية آلاف العائلات التي تعيش تجربة الاعتقال يوميًا، حتى وإن كان السجن خلف الجدران والأسلاك.
ومن هنا، فإن مسؤولية الحفاظ على قضية الأسرى وإبقائها حاضرة في الوعي الفلسطيني لا تقع على عاتق المؤسسات السياسية والحقوقية والإعلامية وحدها، بل تؤدي التربية والتعليم دورًا أساسيًا في حماية القضية من النسيان. فالمدرسة والجامعة لا تصنعان المعرفة فحسب، بل تسهمان في بناء الإنسان وتشكيل وعي الأجيال، وتحددان إلى حد كبير ما سيبقى حاضرًا في الذاكرة وما قد يتحول إلى صفحة من الماضي.
حين يدخل الطالب إلى مدرسته، فإنه لا يتعلم القراءة والكتابة والعلوم والرياضيات فقط، بل يتعلم أيضًا معنى الانتماء، وقيمة الإنسان، وأهمية الحرية، واحترام الكرامة، والقدرة على التمييز بين الحق والظلم. ولهذا، ينبغي أن تكون قضية الأسرى جزءًا من التربية الوطنية والإنسانية للطلبة، لا أن تقتصر على يوم الأسير الفلسطيني أو فعالية موسمية تنتهي بانتهاء المناسبة.
ويمكن للمدارس تقديم قضية الأسرى للطلبة بأساليب تربوية تتناسب مع أعمارهم، من خلال التعريف بقصص الأسرى المحررين وسيرهم وتجاربهم، وإبداعاتهم داخل السجون، والكتب والرسائل التي كتبوها، واللوحات التي رسموها، والمعارف التي تعلموها ونقلوها إلى رفاقهم خلف القضبان. فالأسير ليس مجرد شخص يقبع خلف القضبان، بل إنسان له قصة وأسرة وأبناء وأحلام وتجربة تستحق أن تُروى وتحفظها الأجيال.
ومن الأدوار المهمة التي تستطيع المؤسسات التعليمية القيام بها توثيق الذاكرة الفلسطينية المرتبطة بالأسرى. فكم من قصة أسير لم تُكتب، وكم من شهادة بقيت حبيسة ذاكرة أم أو أب أو زوجة أو طفل، وكم من تفاصيل عاشها الأسرى داخل السجون قد تضيع مع مرور السنوات إذا لم تُوثق؟
يمكن للمدرسة أن تتحول إلى مساحة لحفظ هذه الذاكرة، من خلال إجراء الطلبة مقابلات مع الأسرى المحررين أو عائلات الأسرى، وإعداد ملفات بحثية، وتسجيل شهادات بالصوت والصورة، وإنشاء أرشيف مدرسي لقضايا الأسرى، إلى جانب إعداد مجلات حائطية ومعارض توثيقية.
التعليقات (0)