ماذا يريد الطفل من الحياة؟ يريد أن يكبر، ويذهب إلى المدرسة، ويلعب مع أصدقائه، ويعود إلى أمه، ويسمع صوت أبيه، ويحلم بأن يصبح طبيبًا أو مهندسًا أو لاعب كرة قدم أو طيارًا، تلك الأشياء التي تبدو للكبار عادية هي الحياة نفسها بالنسبة إلى الطفل، لكن أطفال فلسطين، وبالأساس أطفال غزة، وجدوا أنفسهم في مواجهة عدوان مستمر لا يكتفي بهدم البيوت والمدارس والمستشفيات، بل يسلبهم أبسط حقوقهم: أن يعيشوا طفولتهم، وأن يبلغوا العمر الذي يستطيعون فيه أن يقرروا: ماذا سيصبخون عندما يكبرون؟
أطفال فلسطين ليسوا أرقامًا في تقارير القتلى والجرحى، بل لكل واحد منهم حكاية وحلم وعائلة، منهم من استشهد، ومنهم من نجا فاقدًا طرفًا أو حاسة، ومنهم من فقد والديه وإخوته، وضاع بين النزوح والركام. تختلف حكاياتهم، لكن المأساة واحدة: مستقبل كان ينبغي أن يمتد أمامهم، فإذا بالعدوان يقطعه بالموت أو البتر أو الفقد والتيه.
خرج هيثم من المواصي يبحث عن الحليب لأخته الصغيرة، فاستشهد وهو يبحث عنه، وكان صديقه أمير، ابن الرابعة عشرة، يحمل حزن موته، فذهب إلى المقبرة ليودعه، ولم يكن أمير يحمل حزن صديقه وحده؛ فقد مات جده لأمه أثناء النزوح، وهو ينام في العراء، وقف أمام قبر هيثم وطلب منه أن يسلّم على جده حين يراه، اثناء عودته، أصابه صاروخ ذكي واستشهد، هكذا فقدت الحياة طفلين، كان أقصى ما ينبغي أن يُطلب منهما أن يعيشا.
وفي حكاية ضحى وطفلها، وُلد الطفل بكف واحدة، وعندما أتقن الكلام سأل أمه: وين راحت إيدي؟، فأجابته دون تردد: ذهبت إلى الجنة، لكن العدوان لم يمنحهما فرصة للبقاء، فاستشهدا بصاروخ شديد الغباء، وبقي سؤاله البريء عن يده الضائعة شهادة على أم حاولت أن تحمي طفلها من قسوة الحقيقة، فلم تنجُ هي ولا هو منها.
أما الذين بقوا أحياء، فقد حمل بعضهم بصمات العدوان في أجسادهم. محمود عجور، من شمال غزة، فقد ذراعيه، وسأل: كيف سأعانق أمي بعد الآن؟، لم يكن سؤاله عن مستقبل بعيد، بل عن أبسط فعل إنساني حُرم منه،أحمد فقد ساقيه وهو يفر من القصف، وكان يحلم بالذهاب إلى مدرسته، وحمل الدواء إلى جدته، والعثور على حقيبته. وفجأة، تحولت أحلامه العادية إلى معركة مع جسد غيّره العدوان.
سميرفقد بصره، وأصبح يتساءل كيف سيرى جمال أخته وهي تكبر أمامه، فيما فقد ليث سمعه، وخشي ألا يسمع الأذان أو صوت أبيه أو المعلّق الرياضي وهو يصف هدفًا في مباراة كرة القدم، أما كريم، فأفقدته الشظايا لسانه، فلم يعد قادرًا على ترديد نشيد موطني، لكن ما بقي في قلبه لم تستطع الشظايا الوصول إليه، لقد نجوا من الموت، لكن العدوان ترك في أجسادهم وحياتهم آثارًا سترافقهم طويلًا.
التعليقات (0)