قلنا في نهاية المقال السابق «نتنياهو من التلمودية السياسية إلى الإسبارطية الجديدة» إن هذا المسار بالذات هو عنوان للخطيئة الاستراتيجية الثالثة، وعنوان للفشل بسبب انعدام توفر الشروط التاريخية والعملية لنجاح هذا المسار.
وهنا علينا أن نثبت ذلك بالحقائق والوقائع والمعطيات ما دمنا نرى هذا الانعدام.
نبدأ بمنهج هذا الإثبات، كيف لنا أن نثبت ما نود إثباته؟ ما هي الأدوات؟ وما هي المعايير والمؤشرات؟
سنبدأ من الحرب على إيران وليس من الجبهات الأخرى وذلك لأسباب عدة سنأتي عليها، وسبب البدء بالحرب على إيران هو سبب منهجي بحد ذاته لأن أصل المشكلة من زاوية الرؤية الاستراتيجية للولايات المتحدة والدولة الصهيونية، وكل أعوانهما في كامل منطقة الإقليم هي إيران، ومن زاوية هذه الرؤية بالذات هي «التهديد»، وهي مصدر قوة وقدرات كافة أو معظم الجبهات الأخرى، وبزوال هذا التهديد فقط يمكن الاطمئنان إلى استكمال حروب حاسمة، وتحقيق انتصارات مستدامة، وتثبيت وقائع دائمة، وفقط عن طريق إزالة هذا التهديد يصبح الشرق الأوسط الجديد ممكناً وتتحول مشاريع إقامة «إسرائيل الكبرى» إلى واقع مفروض بقوة الأمر الواقع بما في ذلك واقع الرضوخ الدولي، وواقع الإذعان الإقليمي، وواقع انهزام الجبهات المتعددة.
وكان يمكن أن يكون مسار الصراع المحتدم مختلفاً لو أن التحالف الأمروصهيوني بعد السابع من أكتوبر أبقى إيران خارج النطاق المباشر لهذا الصراع، ولم يذهب هذا التحالف لمهاجمة إيران بضربات كانت تهدف إلى إسقاط النظام، والمراهنة على انهيار الدولة الإيرانية، وإشاعة الفوضى الشاملة في كل الجغرافيا الإيرانية وصولاً إلى تقسيم البلاد وتفتيت وحدة ترابها الوطني.
لم تكن إيران بوارد الدخول في هذه الحرب مباشرة، وبقيت ردودها على اغتيال إسماعيل هنية ، ثم العمليات الاستخبارية اللاحقة، وخصوصاً البشرية النووية، وحتى بعد اغتيال أمين عام حزب الله السيد حسن نصر الله ظلت إيران حذرة، وظلت تحسب خطواتها بدقة وبمنطق الدولة وبما لا يذهب بوتيرة الصراع إلى مساحات وجودية أو مصيرية.
التعليقات (0)