لا يتحدد العداء بين الدول بما وقع بينها في الماضي، ولا بما تفعله إحداها بالأخرى في الحاضر فحسب، بل بما تتصور أن الأخرى قد تصبح عليه في المستقبل. وفي هذه المسافة بين الواقع والتوقع، بين ما يمتلكه الخصم اليوم وما يُخشى أن يمتلكه غدًا، تتشكل أحيانًا أخطر الصراعات وأكثرها استعصاءً على الحل. وهذا ما يساعد على فهم جانب أساسي من المواجهة بين إسرائيل وإيران؛ فكل منهما لا يتعامل مع الآخر بوصفه واقعًا قائمًا فحسب، بل بوصفه خطرًا محتملًا يتعين التحرك لمنع تحققه.
منذ الثورة الإيرانية عام 1979، انتقلت العلاقة بين البلدين من التعاون الذي طبع مرحلة حكم الشاه إلى عداء سياسي وأيديولوجي واستراتيجي. فقد تبنت القيادة الإيرانية الجديدة موقفًا رافضًا لإسرائيل، وجعلت القضية الفلسطينية جزءًا من خطابها السياسي ودورها الإقليمي. وفي المقابل، أخذت إسرائيل تنظر إلى إيران باعتبارها مصدر تهديد يتجاوز المواقف السياسية المعلنة، ليشمل قدراتها العسكرية والصاروخية، وبرنامجها النووي، وعلاقاتها مع قوى مسلحة في المنطقة. ومع مرور الزمن، لم يعد الخلاف متعلقًا بما يريده كل طرف في اللحظة الراهنة فقط، بل بما يمكن أن يحققه إذا تُرك له المجال لمواصلة بناء قوته ونفوذه.
تنظر إيران إلى إسرائيل بوصفها دولة تتمتع بتفوق عسكري نوعي، وتستند إلى تحالف استراتيجي مع الولايات المتحدة، وتمتلك قدرة كبيرة على التأثير في التوازنات الإقليمية. ومن هذا المنظور، لا يبدو تعزيز القدرات الإيرانية مجرد سعي إلى امتلاك القوة، بل محاولة لتقليص الفجوة مع خصم يُعتقد أنه قادر على فرض إرادته أو استهداف المصالح الإيرانية متى شاء. ولهذا تسعى طهران إلى تطوير قدراتها الصاروخية، وتوسيع شبكة علاقاتها الإقليمية، وبناء وسائل ردع تجعل المواجهة معها مكلفة.
لكن ما تراه إيران ضرورة لحماية نفسها تراه إسرائيل مصدرًا متزايدًا للخطر. فإسرائيل لا تقيس التهديد الإيراني بما تمتلكه طهران اليوم وحده، بل بما قد تمتلكه بعد سنوات من التطور العسكري والتكنولوجي، وبما يمكن أن ينتج عن اتساع نفوذها وتماسك علاقاتها مع القوى الحليفة لها. ومن هنا تنشأ الرغبة الإسرائيلية في إضعاف هذه القدرات قبل أن تصبح أكثر رسوخًا، وفي منع إيران من الوصول إلى مستوى من القوة ترى إسرائيل أنه سيقيد قدرتها على التحرك العسكري ويغير ميزان القوى في المنطقة.
وهكذا، ينظر كل طرف إلى إجراءات الآخر من خلال أسوأ الاحتمالات التي يتوقعها لمستقبله. فحين توسع إيران قدراتها، ترى إسرائيل في ذلك استعدادًا لتهديدها على نحو أكبر في المستقبل. وحين تضرب إسرائيل مواقع إيرانية أو تستهدف قدراتها، ترى طهران في ذلك دليلًا على أن إسرائيل لن تقبل بوجود قوة إقليمية قادرة على تحدي تفوقها. وبذلك تصبح إجراءات كل طرف، حتى عندما يقدمها باعتبارها دفاعية أو وقائية، سببًا في تعزيز مخاوف الطرف الآخر ودفعه إلى مزيد من الاستعداد للمواجهة.
المشكلة هنا أن الخوف لا يبقى مجرد شعور أو تقدير سياسي، بل يتحول إلى سياسة تصنع الوقائع. فإيران التي تخشى أن تصبح أكثر عرضة للهجوم تعمل على زيادة قدرتها على الرد، وإسرائيل التي تخشى أن تصبح إيران أكثر قدرة على تهديدها تسعى إلى منع هذا التطور. ومع كل جولة من هذه العملية، تتراجع الثقة وتتسع دائرة التهديدات، ويصبح التراجع عن المواجهة أصعب، ليس بالضرورة لأن الحرب هي الخيار الأفضل لأي منهما، بل لأن كليهما يخشى أن يكون التراجع اليوم سببًا في ضعف موقفه غدًا.
التعليقات (0)