بعد عام على دخول اتفاق وقف إطلاق النار في قطاع غزة حيز التنفيذ في 10 أكتوبر/تشرين الأول 2025، لم ينجح الهدوء النسبي في نقل الاقتصاد من مرحلة الانهيار إلى التعافي، إذ لا تزال الأسواق تعاني ضعف النشاط التجاري وتراجع القدرة الشرائية وشح السيولة النقدية وانعدام فرص العمل، في وقت لم تستعد فيه المنشآت الإنتاجية والتجارية قدرتها على العمل بصورة طبيعية.
وبينما كان الاتفاق يفترض أن يفتح الطريق أمام تدفق السلع والمساعدات وبدء التعافي الاقتصادي، بقيت غالبية السكان عالقة في أزمة معيشية عميقة دون مصادر دخل مستقرة أو مقومات تسمح بإعادة بناء حياتهم الاقتصادية.
وتعكس المؤشرات الأممية حجم الفجوة بين وقف إطلاق النار وتحسن الأوضاع الاقتصادية. فقد قدّر تقرير مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية "الأونكتاد"، الصادر في 24 سبتمبر/أيلول الماضي، احتياجات التعافي وإعادة إعمار غزة بنحو 71.5 مليار دولار، في ظل تضرر أو تدمير 92% من المنشآت الاقتصادية.
كما أشار إلى أن نصيب الفرد من الناتج المحلي الإجمالي في القطاع بلغ 212 دولارا خلال عام 2025، بما يعادل نحو 58 سنتا يوميا من الناتج الاقتصادي للفرد، فيما وصلت البطالة إلى 78%، ولم يكن أكثر من 90% من السكان في سن العمل يعملون.
وفي موازاة ذلك، لم يؤدّ تحسن دخول بعض السلع إلى الأسواق إلى انتعاش اقتصادي ملموس، إذ بقيت حركة التجارة محكومة بقيود إدخال البضائع وتكاليف الشحن والتنسيق المرتفعة والتراجع التدريجي في حصة المساعدات من إجمالي الشاحنات الوافدة. ومع استمرار اعتماد الأسر على المساعدات وتآكل مداخيلها ومدخراتها، تحولت الأسواق إلى مساحة لتلبية الاحتياجات الأساسية بقدرة محدودة، لا إلى محرك للنشاط الاقتصادي والتشغيل. وهكذا ظل وقف إطلاق النار عاجزا عن إحداث تغيير جوهري في معادلة الاقتصاد، ما دامت شروط الإنتاج والتجارة والدخل لا تزال مختلة.
ولم تقتصر الأزمة على تراجع النشاط الاقتصادي وإنما امتدت إلى فقدان القاعدة الإنتاجية التي كانت توفر فرص العمل والدخل للسكان. ووفق تقرير الأونكتاد، انخفض الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في غزة بنسبة 83% خلال عام 2024، قبل تسجيل نمو إحصائي في 2025 من قاعدة شديدة الانخفاض، فيما تراجع الإنتاج الزراعي والصناعي بنسبة 94% لكل منهما مقارنة بمستويات عام 2022، وانكمش قطاع الإنشاءات بنسبة 99%.
التعليقات (0)