على امتداد آلاف السنين، ظل الإنسان يحاول أن يترك وراءه ما يقاوم الزمن. نقش اسمه على الحجر، وشيّد المعابد والقصور، وزيّن جدران المدن بالرسوم والنقوش، ودوّن في المخطوطات تفاصيل حياته ومعتقداته. وكان الأثر، بما يحمله من ندوب وتصدعات وأجزاء مفقودة، شاهدا ماديا على حضارات مضت.
لكن الحروب والزلازل والعواصف وعوامل الطبيعة والسرقة لم تكن دائما تترك لهذا الشاهد فرصة للبقاء. وفي أماكن كثيرة من العالم العربي، أصبح الحفاظ على التراث المهدد مرتبطا بقدرة المؤسسات والباحثين على توثيق ما تبقى منه قبل أن تطاله أضرار جديدة.
ومع تطور المسح بالليزر وتقنيات التصوير الفوتوغرامتري والنمذجة ثلاثية الأبعاد، أصبح بالإمكان تحويل الأثر إلى بيانات رقمية دقيقة تحفظ أبعاده وتفاصيله، وتتيح دراسته وإعادة استخدامه حتى إذا تعرض الأصل للتضرر.
واليوم يضيف الذكاء الاصطناعي طبقة أخرى إلى هذه العملية، إذ يمكنه تحليل الصور والوثائق والمسوح واقتراح تصورات لأجزاء مفقودة. لكن هذه القدرة تفرض تمييزا أساسيا بين ما وثقناه فعلا، وما استنتجناه، وما اقترحته الخوارزمية.
في مصر، يتجه هذا المسار إلى إطار مؤسسي جديد مع إطلاق "المركز المصري البريطاني للذكاء الاصطناعي وتقنيات التراث الافتراضي" (BECAIVE) في القاهرة في أغسطس/آب 2026، بشراكة بين جامعة يورك البريطانية والمعهد القومي للبحوث الفلكية والجيوفيزيقية في مصر.
ويركز المركز على استخدام الذكاء الاصطناعي والتقنيات الرقمية المتقدمة في حفظ التراث والآثار، ودراسة المجموعات المتحفية والمواقع الأثرية والتعريف بها وإشراك الجمهور فيها، إلى جانب تطوير أطر رقمية تساعد في ربط القطع الأثرية بالمواقع التي تنتمي إليها وسياقاتها التاريخية.
التعليقات (0)