الأحد 11 أكتوبر 2026 10:09 صباحًا - بتوقيت القدس
في الحلقات السابقة من سلسلتنا، بدأنا من السؤال الكبير: هل يتعلم أبناؤنا؟ ثم تحدثنا عن «الدَّين التعليمي» الذي ينتقل مع الطفل من صف إلى آخر، وعن زمن التعلم الذي يضيع بين الانقطاع والاضطراب، وعن مسؤولية المجتمع في استرداد ما فاته.لكن ثمة سؤالًا أكثر بساطة، وربما أكثر خطورة، لم نطرحه بما يكفي: هل يستطيع الطفل الفلسطيني في سن العاشرة أن يقرأ نصًا مناسبًا لعمره ويفهم معناه؟قد يبدو السؤال غريباً في مجتمع اعتاد الاعتزاز بالتعليم، ويرى في المدرسة إحدى أهم أدوات صموده الوطني. لكن السؤال لا يتعلق بقدرة الطفل على نطق الكلمات أو قراءة الجمل بصوت مرتفع، وإنما بقدرته على فهم ما يقرأ، واستخلاص المعنى، والربط بين الأفكار، واستخدام المعرفة في موقف جديد.وهنا يكمن الفرق بين طفل يتعلم القراءة وطفل أصبح قادرًا على القراءة ليتعلم.في السنوات الأولى من المدرسة، يتعلم الطفل الحروف والكلمات والجمل. لكن مع تقدمه في الصفوف، تصبح القراءة الوسيلة التي يتعلم بها العلوم والرياضيات والتاريخ والجغرافيا. فإذا لم يكتسب القدرة على القراءة والفهم في الوقت المناسب، فإن المشكلة لا تبقى محصورة في مادة اللغة العربية، بل تمتد تدريجيًا إلى معظم المواد الدراسية.وهكذا قد يصل الطفل إلى الصف الخامس أو السادس، بينما لا تزال لديه فجوة تعود إلى الصف الثاني أو الثالث.إنه يتقدم في الصفوف، لكن أدوات التعلم الأساسية لم تتقدم معه بالقدر المطلوب. وهذا ما يجعل القراءة المبكرة قضية تتجاوز تعليم اللغة إلى مستقبل التعليم كله.وقد أطلق البنك الدولي على إحدى صور هذه المشكلة مفهوم «فقر التعلم»، ويقصد به عدم قدرة الطفل في سن العاشرة على قراءة نص بسيط وفهمه.وخطورة هذا المفهوم أنه ينقل اهتمامنا من عدد السنوات التي أمضاها الطفل في المدرسة إلى ما اكتسبه خلالها. فالطفل قد يكون منتظمًا في الدراسة، وينتقل من صف إلى آخر، ويحقق علامات مقبولة، لكنه لا يمتلك بعد المهارة التي تسمح له بالتعلم المستقل.وعندما نصل إلى نتائج البرنامج الدولي لتقييم الطلبة «PISA 2025»، نجد أن نحو 78% من الطلبة الفلسطينيين المشاركين في سن الخامسة عشرة لم يبلغوا الحد الأدنى للكفاءة في القراءة. وهنا ينبغي أن نتوقف طويلًا. فنحن لا نتحدث عن أطفال بدأوا تعلم القراءة حديثًا، وإنما عن طلبة أمضوا سنوات طويلة في المدرسة.كيف وصل هذا العدد الكبير إلى الخامسة عشرة دون بلوغ الحد الأدنى من الكفاءة القرائية التي يقيسها البرنامج؟هل بدأت المشكلة في المرحلة الإعدادية؟ أم أنها بدأت قبل ذلك بسنوات، عندما انتقل بعض الأطفال من الصفوف الأساسية الأولى دون إتقان القراءة والفهم؟لا يقدم لنا اختبار PISA وحده إجابة قاطعة عن هذا السؤال، لأنه يقيس أداء الطلبة في الخامسة عشرة، ولا يتتبع المسار التعليمي لكل طفل منذ دخوله المدرسة. لكنه يضع أمامنا إنذارًا لا يجوز تجاهله.إذا اكتشفنا ضعف القراءة في الخامسة عشرة، فقد نكون تأخرنا سنوات عن الوقت الأنسب لمعالجته. وهنا تظهر مشكلة أخرى في طريقة إدارتنا للتعليم.نحن نعرف عدد المدارس، وعدد المعلمين، وعدد الطلبة المسجلين، وعدد الغرف الصفية، ونسب النجاح والرسوب.لكن هل نملك، بصورة دورية ومنشورة، إجابة وطنية دقيقة عن عدد الأطفال الذين يستطيعون القراءة والفهم في نهاية الصف الثالث أو الرابع؟ وهل نعرف حجم الفجوة بين المدارس والمحافظات والمناطق الريفية والمخيمات؟ وهل نعرف كيف تتغير هذه المهارة من عام إلى آخر؟لا أعني أن مدارسنا لا تجري اختبارات أو أن معلمينا لا يعرفون مستويات طلبتهم. فهناك جهود تشخيصية وتقييمية متعددة داخل النظام التعليمي.لكن ما نحتاجه هو منظومة وطنية واضحة ومستمرة لقياس المهارات التأسيسية، وإعلان نتائجها، واستخدامها لتوجيه التدخلات التعليمية.فالقياس الذي لا يتحول إلى علاج يبقى وصفًا للمشكلة. والعلاج الذي لا يسبقه تشخيص قد يستهلك الوقت والموارد دون أن يصل إلى الطفل الذي يحتاجه.وفي الخامس من تشرين الأول الجاري، عقدت وزارة التربية والتعليم العالي اجتماع مجموعة العمل القطاعية للتعليم، بحضور الوزير د. أمجد برهم والشركاء المحليين والدوليين. وكان من بين الأولويات التي عرضتها الوزارة معالجة الفاقد التعليمي، والتعليم التفاعلي، ومهننة التعليم، ومتابعة نتائج دراسة PISA.وهذا توجه مهم يستحق البناء عليه. لكنني أعتقد أن الاستجابة الأكثر إلحاحًا لنتائج PISA لا تبدأ بالضرورة من طلبة الخامسة عشرة الذين خضعوا للاختبار، وإنما من الأطفال الأصغر سناً الذين لا يزال بإمكاننا منع تراكم الفجوات لديهم.علينا ألا ننتظر نتائج اختبار دولي جديد لكي نكتشف ما كان يمكن قياسه داخل مدارسنا قبل سنوات.ولعل أكثر ما يقلقني في هذا السياق هو أن يتحول النقاش التربوي إلى جدل حول الكتاب الورقي أو المصادر المفتوحة أو الشاشات أو التكنولوجيا، بينما يظل السؤال الأساسي مؤجلًا:هل تحسنت قدرة الطفل على القراءة والفهم؟ فالطفل الذي لا يفهم نصًا مكتوبًا لن يصبح قارئاً أفضل لمجرد أن النص انتقل من الورق إلى الشاشة.والطفل الذي يعجز عن استخلاص فكرة رئيسية من فقرة لن يكتسب هذه القدرة تلقائيًا عندما نوفر له عشرات المصادر الرقمية. بل إن الذكاء الاصطناعي قد يزيد المشكلة تعقيدًا إذا أصبح يقدم الإجابات الجاهزة لطفل لم يكتسب بعد القدرة على فهم السؤال.وهنا ينبغي أن نكون واضحين: التكنولوجيا أداة مهمة، لكنها لا تستطيع أن تعوض غياب المهارات التأسيسية دون تصميم تربوي مناسب.والإصلاح الحقيقي لا يقاس بحداثة الوسيلة، بل بمقدار التقدم الذي تحققه في تعلم الطفل. وفي الحالة الفلسطينية، تزداد المسألة تعقيدًا بفعل الظروف الاستثنائية.ففي تقرير نشرته اليونيسف في أيلول الماضي، وثقت خلال النصف الأول من عام 2026 وقوع 224 حادثة مرتبطة بالتعليم في الضفة الغربية، بما فيها القدس الشرقية، أثرت مباشرة في أكثر من عشرين ألف طالب وطالبة.وفي غزة، يواجه الأطفال واقعًا أشد قسوة بعد سنوات من الانقطاع والنزوح وتدمير المدارس، وهو ما يجعل استعادة المهارات الأساسية أولوية لا تقل أهمية عن إعادة توفير أماكن التعلم.لكن هذه الظروف، مهما بلغت قسوتها، ينبغي ألا تدفعنا إلى خفض سقف توقعاتنا من أطفالنا، بل إلى تغيير الطريقة التي نساعدهم بها على الوصول إلى ذلك السقف.فالطفل الذي انقطع عن المدرسة لا يحتاج بالضرورة إلى أن نضع أمامه كتاب الصف الذي يفترض أنه وصل إليه ونطالبه بملاحقة زملائه. قد يحتاج أولًا إلى العودة إلى مهارة لم يكتسبها قبل عامين.وقد يحتاج إلى وقت إضافي، أو مجموعة تعليمية صغيرة، أو طريقة تدريس مختلفة، أو دعم نفسي يساعده على استعادة ثقته بقدرته على التعلم. وهنا يصبح دور المعلم حاسمًا.لكن ليس من الإنصاف أن نطلب من المعلم معالجة سنوات من الفاقد داخل حصة محدودة، وبين عشرات الطلبة متفاوتي المستويات، ثم نحاسبه وحده على النتائج.إننا بحاجة إلى تمكين المعلم من أدوات التشخيص والتدخل العلاجي، وتوفير وقت مخصص للمهارات الأساسية، وتخفيف ضغط إنهاء المقررات عندما يتعارض مع إتقان التعلم.فالمنهاج ليس سباقا نحو الصفحة الأخيرة. والتعليم ليس عملية نقل معلومات من الكتاب إلى دفتر الطالب.التعليم الناجح هو أن نعرف ما الذي أصبح الطفل قادرًا على فعله بعد أن تعلم. ومن هنا أقترح أن تصبح القراءة للفهم، إلى جانب الحساب الأساسي، محورًا لبرنامج وطني لاسترداد التعلم في الصفوف الأولى.برنامج يبدأ بتحديد المهارات التي ينبغي إتقانها في نهاية كل صف، ثم إجراء تقييمات تشخيصية قصيرة، وتوفير تدخلات علاجية للطلبة الذين يحتاجونها، وإعادة قياس التقدم بعد فترة محددة.ولا ينبغي أن تكون هذه التقييمات وسيلة لتصنيف الأطفال أو معاقبة المدارس والمعلمين، بل وسيلة للإجابة عن سؤال تربوي وإنساني بالغ البساطة:من الطفل الذي يحتاج مساعدتنا الآن، وما نوع المساعدة التي يحتاجها؟ وقد تحدثت في الحلقة السابقة عن مبادرة مجتمعية صغيرة لاسترداد التعلم والمهارات الأساسية، تقوم على تشخيص مستوى الطفل، ثم التدخل في مجموعات صغيرة، وقياس التحسن بعد ثمانية أسابيع.أعود إليها اليوم لأن قيمتها لا تكمن في عدد الأطفال الذين تستهدفهم، وإنما في المنطق الذي تقوم عليه.فهي لا تبدأ بالسؤال: في أي صف يدرس الطفل؟ بل بالسؤال: ماذا يستطيع أن يقرأ ويفهم ويحسب؟وهذا التحول البسيط في طريقة التفكير قد يكون أحد أهم مفاتيح الإصلاح. إننا نحتاج إلى مدرسة تعرف مستوى الطفل الحقيقي، لا عمره الدراسي فقط. ومعلم يمتلك الوقت والأدوات لمعالجة الفجوة.وأسرة تدرك أن القراءة اليومية مع طفلها ليست نشاطًا ثانويًا.ومجتمع يساند المدرسة دون أن يحل محلها. ووزارة تجعل المهارات التأسيسية أولوية قابلة للقياس والمساءلة.لأننا إذا نجحنا في حماية السنوات الأولى من التعلم، فإننا لا نعالج مشكلة القراءة وحدها؛ بل نمنع تراكم جزء كبير من «الدَّين التعليمي» الذي تحدثنا عنه في هذه السلسلة.وقد يكون السؤال الذي ينبغي أن نطرحه على أنفسنا في نهاية كل عام دراسي أكثر أهمية من السؤال عن نسبة النجاح: كم طفلًا أصبح قادرًا على قراءة نص وفهمه، بعد أن كان عاجزًا عن ذلك في بداية العام؟ذلك هو الإنجاز الذي يستحق الاحتفاء. فالطفل الذي يتقن القراءة للفهم لا يكتسب مهارة لغوية فحسب. إنه يمتلك مفتاحًا يفتح أمامه أبواب المعرفة، ويمنحه قدرة أكبر على التعلم المستقل، والتفكير النقدي، وفهم العالم من حوله.وفي مجتمع فلسطيني يخوض معركة طويلة لحماية هويته ووجوده ومستقبله، تصبح هذه القدرة جزءًا من بناء الإنسان القادر على المعرفة والاختيار والمشاركة.لقد دافعنا طويلًا عن حق الطفل الفلسطيني في الوصول إلى المدرسة.وحان الوقت لأن نضيف إلى هذا الحق ضمانة لا تقل أهمية: حقه في ألا يغادر سنواته الأولى دون أن يمتلك مفاتيح التعلم.فالسؤال ليس فقط: هل يذهب أبناؤنا إلى المدرسة؟ ولا حتى: هل ينجحون في امتحاناتها؟ بل السؤال الذي ينبغي أن يبدأ منه إصلاحنا التربوي: في العاشرة من عمره، هل يستطيع طفلنا أن يقرأ ويفهم؟وإذا كانت الإجابة: ليس بعد، فإن مسؤوليتنا ليست أن ننتظر حتى يبلغ الخامسة عشرة. مسؤوليتنا أن نبدأ معه اليوم.
في العاشرة : هل يستطيع طفلنا أن يقرأ ويفهم؟
المهندس غسان جابر القيادي في حركة المبادرة الوطنية الفلسطينية
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)