الأحد 11 أكتوبر 2026 10:08 صباحًا - بتوقيت القدس
خوفاً على الناس من الضياع ومحبّةً منه في خلاص نفوسهم، ذكر السيّد المسيح أهميّة الفقر الروحاني، ومَدَح "فقير الروح" ، لذلك رفضه معظم اليهود رفضاً قاطعاً ولم يقبلوا بتعاليمه لتعلّقهم الزائد بالمال وهو مَضرب الامثال إلى أيّامنا. كانوا يفضّلون وما زالوا ينتظرون مسيحًا ثريّاً يُنادي بمحبّة الخيرات الدنيويّة والجشع ومحبّة المال والألقاب وامتلاك الأراضي والسلطة والهيمنة على البشر والنظرة الفوقيّة للأمم. نقرأ في 1 تيموثاوس 10:6 : "إنّ أصل كلّ الشرور محبّة المال" وهو صدى لتعاليم السيّد المسيح وسيرته البارّة.ثبّت السيّد المسيح أقواله بأعماله. "فقير الروح" يذكّرنا بحياة المسيح على الأرض الذي احتضن الفقر في جميع مراحل حياته. وكانت أقواله تطابق أفعاله تماماً. لقد وُلد وعاش ومات فقيراً ، وكان بإمكانه أن يولد ثريًا في قصر يحيط به الخدم والحشم. "فقير الروح" يذكّرنا بميلاده في مغارة بيت لحم وفي مذود متواضع من القشّ. وفيما بعد "لم يجد المسيح ابن الانسان مكاناً يسند إليه رأسه" (إنجيل متّى 8 : 20).وحذّرنا السيّد المسيح من الاهتمام الزائد بالثروة التي تشكّل عائقاً في علاقتنا وتَواصُلنا مع الله تعالى، وحجر عثرة يمنعنا من دخول ملكوت الله. ووعدَنا بأنّ اختيارنا للفقر طوعاً في سبيل الملكوت نُكافأ عليه في هذه الحياة كما في الآخرة ، قال : "ما أعسر دخول ذوي الأموال إلى ملكوت الله... مرور جمل من ثقب ابرة أيسر من أن يدخل ثري إلى ملكوت الله... الحق أقول لكم ليس أحد ترك بيتاً أو اخوة أو أخوات أو أباً أو أمّاً أو امرأة أو أولادًا أو حقولاً إلاّ ويأخذ مئة ضعف ... وفي الدهر الآتي الحياة الأبديّة* (مرقس 10 : 23-31).بخلاف ما اعتدنا عليه في المجتمعات، من تبجيل للوجهاء ورفع شأن الأثرياء وذوي النفوذ والمراكز والهيلمان ، يُعلِن المسيح أنّ الفرح والملكوت السماوي أُعِدّ للمتواضعين وفقراء الروح والذين يُعانون من مشقّة الدهر والمُضطهَدين من أجل البِرّ. مَثَل الغني ولعازرنعم كلام السيّد المسيح وتعليماته صعبة التنفيذ اذا اتّكل الانسان على ذاته. ويُصبح الأمر يسيراً سهلا حين يلجأ المؤمن إلى عونه تعالى، من أجل تطبيق هذه التعليمات واتّخاذها برنامجًا لحياته. ومن التحدّيات التي يطرحها على تلاميذه "تقاسم الخيرات الماديّة" مع الفقراء في هذه الحياة الدنيا، وخاصة في مَثَل الغني ولعازر في (لوقا 16 : 19-31). لعازر الفقير الذي "كان ينطرح عند باب الرَّجُل الغنيّ ، وكان الغنيّ يبخل عليه. ومات الفقير فحملته الملائكة إلى جوار إبراهيم. ومات الغنيّ ودُفِن. ورفع الغنيّ عينيه وهو في الجَحيمِ يُقاسي العَذابَ، فَرأى إبراهيمَ عَنْ بُعدٍ ولِعازَرَ بِجانِبِه. فقالَ لَهُ إبراهيمُ: تذَكَّرْ، يا اَبني، أنَّكَ نِلتَ نَصيبَكَ مِنَ الخَيراتِ في حياتِكَ، ونالَ لِعازَرُ نَصيبَهُ مِنَ البَلايا. وها هوَ الآنَ يَتَعزّى هُنا، وأنتَ تَتعذَّبُ هُناكَ. وفَوقَ كُلِّ هذا، فَبـينَنا وبَينَكُم هُوّةِ عَميقةِ لا يَقدِرُ أحدٌ أن يجتازَها مِنْ عِندِنا إلَيكُم ولا مِنْ عِندِكُم إلينا.فتوسّل الغنيّ إلى إبراهيم بطلبه أنْ يُرسِل لعازر إلى بيت أبـيه (أي أهل الثري) ، ليُنذِر إخوته الخمسة كي لا يكون مصيرهم مثله في مكان العذاب. وقال الغنيّ أيضاً : "إذا قام واحد مِن الأموات وذهب إلى اخوتي يتوبون". فأجابه إبراهيم: "عندهم موسى والأنبـياء ليستمعوا إلى مواعظهم ، وإنْ كانوا لا يستمعون إلى موسى والأنبـياء فهم لا يقتنعون ولو قام واحد مِن الأموات".خاتمةالعبرة من هذا المَثَل أنّ الزمن الحاضر هو الوقت المناسب والفرصة الوحيدة لنبيّن حُسن نيّتنا، و"نشارك" القريب وخاصة الفقير خيراتنا ، ونفتح له قلوبنا . ونواسيه فيما يعانيه من آلام، ونُصغي إلى ما يتوق اليه من آمال، فنبتعد عن الأنانيّة التي أودَت بالثري الى الجحيم في المَثَل المذكور أعلاه ، قبل انقضاء الوقت، وقبل أن تُصبح الهوّة كبيرة وشاسعة وسحيقة عميقة ما بين السماء والجحيم.أمّا سائر التطويبات على الجبل فهي: تهنّىئ المتألّمين والحزانى والباكين والرّحماء وصانعي السلام ومَن لم يرَوا وآمنوا.
د. ياسر أبو بكر عضو المجلس الثوري لحركة فتح
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)