الكاتب: المهندس منير سعد – بيرزيت
في فلسطين، يكفي أن تدخل معصرة زيتون في موسم القطاف حتى تشعر أن للزيت حكاية بدأت قبل وصوله إلى الزجاجة بوقت طويل. ثمار جاءت من شجرة عاشت سنوات، وأيدٍ جمعتها بين الأغصان، وصناديق امتلأت بمحصول موسم كامل، ثم تبدأ في المعصرة رحلة التحول. لهذا تبدو المعصرة أكثر من آلة. إنها المكان الذي تتحول فيه ثمرة الزيتون إلى زيت يصل إلى المائدة، أو إلى مصباح يمنح النور.
لكن للمعصرة في الذاكرة المسيحية حضورًا أقدم وأعمق، يأخذنا إلى بستان الزيتون الذي عُرف باسم جثسيماني، والواقع في منطقة جبل الزيتون قرب القدس. ويرتبط الاسم في أصله بمعنى «معصرة الزيت». وهناك ذهب السيد المسيح له المجد مع تلاميذه في الليلة التي سبقت الصلب، في لحظة من أعمق لحظات الحزن والصلاة والتسليم. ومن المفارقات اللافتة أن يحمل المكان اسمًا يرتبط بعصر الزيت، بينما شهد في تلك الليلة صلاة السيد المسيح في أشد لحظات الحزن والتسليم؛ فبقي جثسيماني في الذاكرة مكانًا يلتقي فيه ألم الإنسان برجاء الإيمان.
في الكتاب المقدس، يظهر الزيت في صور متعددة، وفي العهد الجديد يرتبط بمعانٍ تمس حياة الإنسان اليومية والروحية: ففي مثل السامري الصالح، نجد الزيت مرتبطًا بالعناية بالإنسان المجروح: «وضمد جراحاته، وصب عليها زيتًا وخمرًا» (لوقا 10:34). وهنا لا يعود الزيت مجرد مادة نافعة، بل يصبح جزءًا من فعل الرحمة والعناية بالإنسان. وفي مثل العذارى العشر، يرتبط الزيت بالنور والاستعداد: «فأخذت الحكيمات زيتًا في آنيتهن مع مصابيحهن» (متى 25:4). أما في رسالة يعقوب، فيأتي الزيت في سياق الصلاة والعناية بالمريض: «فليدع شيوخ الكنيسة... ويدهنوه بزيت باسم الرب» (يعقوب 5:14). وهكذا يظهر الزيت في العهد الجديد في صور متقاربة: العناية، والنور، والصلاة.
وربما لهذا يحتفظ الزيت بحضور خاص في الوجدان المسيحي؛ فهو مادة بسيطة من الحياة اليومية، لكنه يحمل في النص الإنجيلي معاني تتجاوز استعماله المادي. إنه زيت يداوي، وزيت يرتبط بالنور، وزيت يأتي في سياق الصلاة. ومن هنا يصبح الزيت في التأمل الروحي صورة للعطاء الذي لا يبقى حبيس الثمرة، بل يخرج منها لينفع الإنسان.
ما زالت شجرة الزيتون تشكل جزءًا أساسيًا من الزراعة الفلسطينية، وما زالت المعصرة هي المحطة التي تتحول فيها ثمرة الموسم إلى زيت. وبحسب البيانات الرسمية، بلغ عدد معاصر الزيتون العاملة في موسم 2024 نحو 270 معصرة، منها 265 معصرة أوتوماتيكية وخمس معاصر قديمة أو نصف أوتوماتيكية. أما إنتاج زيت الزيتون، فيتغير بصورة واضحة من موسم إلى آخر؛ فقد بلغ نحو 27ألف طن عام 2024، قبل أن يتراجع إلى نحو 7 آلاف طن عام 2025.
التعليقات (0)