بعد أيام قليلة من تنصيبه رئيسا للمرة الخامسة، أعاد الرئيس الكونغولي دوني ساسو نغيسو ترتيب البيت الحكومي في برازافيل، مبقيا على أناتول كولينيت ماكوسو رئيسا للوزراء، ومستبقيا في المواقع الحساسة وجوها سياسية وأمنية رافقت مساره منذ سنوات. ويأتي التشكيل الجديد ليرسم ملامح ولاية رئاسية ممتدة حتى عام 2031 يطغى عليها منطق الاستمرارية أكثر من رياح التغيير.
وتضم الحكومة الجديدة 41 عضوا، من بينهم 11 وجها جديدا، ليخرج 6 من المشهد، ويحتفظ 21 من السابقين بمناصبهم أو نقلوا إلى حقائب أخرى. ومن أبرز ملامح هذه التشكيلة استحداث منصب نائب رئيس الوزراء الذي أسند إلى جان جاك بويا.
ولئن أوحت الوجوه الجديدة بنفس إصلاحي، فإن قراءة معمقة في توزيع الحقائب السيادية تكشف عن قبضة محكمة على الملفات الإستراتيجية، إذ احتفظ كريستيان يوكا بحقيبة المالية، وبقي لودوفيك نغاتسي على رأس الاقتصاد والتخطيط، وحافظ تييري لوزان مونغالا على الاتصال والنطق الرسمي باسم الحكومة. أما دوني كريستل ساسو نغيسو نجل الرئيس، فجرى تثبيته وزيرا للتعاون الدولي وتعزيز الشراكة بين القطاعين العام والخاص، في إشارة قرأها مراقبون على أنها تأكيد لنفوذ "العائلة الرئاسية" داخل المعادلة الحاكمة.
اللافت في هذا التشكيل أن وزارة الداخلية أسندت إلى الجنرال جان أوليسونغو أوندايي القائد السابق لمنطقة الدفاع العسكرية الأولى، فيما عهد بوزارة المراقبة الحكومية إلى الضابط السامي نويل ليونار إيسونغو الرئيس الأسبق لأركان الجيش البري. ويعكس هذا التموقع الأمني ما وصفه موقع "عين أفريقيا" (Oeil d’Afrique) الإيفواري باستمرار "هندسة السلطة" التي تنتهجها برازافيل بعد كل استحقاق انتخابي، حيث تؤمّن المفاصل الحساسة بأطر منحدرة من المؤسسة العسكرية أو من الدائرة الضيقة المقربة من الرئيس.
وفي المقابل حملت تعيينات أخرى رمزية مغايرة، أبرزها إسناد الخارجية إلى كونستان سيرج بوندا، الذي يصفه موقع "عين أفريقيا" بأنه ذو خلفية أممية متعددة الأطراف في بلد طالما ظلت دبلوماسيته شأنا للدائرة الرئاسية الضيقة. ويُقرأ هذا التعيين -وفق المنصة ذاتها- إما بوصفه انفتاحا فعليا للدبلوماسية الكونغولية، أو أنه مجرد واجهة تجميلية لنظام يبحث عن تحسين صورته الخارجية.
غير أن أي قراءة لهذا التشكيل تبقى قاصرة من دون استحضار سياقه السياسي الأشمل، فقد أعيد انتخاب ساسو نغيسو البالغ 82 عاما، من الجولة الأولى لاقتراع 15 مارس/آذار الماضي بنسبة 94.90% من الأصوات، وفق ما أعلنته المحكمة الدستورية. وجرى الاقتراع في أجواء قاطعتها أحزاب المعارضة الرئيسية احتجاجا على عدم استيفاء شروط الانتخاب الحر والشفاف، ولا يزال قائدان معارضان بارزان، هما الجنرال جان ماري ميشيل موكوكو وأندريه أوكومبي ساليسا، في السجن منذ عامي 2018 و2019 إثر إدانتهما بـ"المساس بالأمن الداخلي".
💬 التعليقات (0)