أرى أن أخطر ما في عصر البيانات الرقمية هو أن الإنسان قد يفقد السيطرة على معلوماته وهو مقتنع بأنه يسيطر على هاتفه. نحن نختار ما ننشره، لكننا لا نعرف دائمًا ما يُجمع عنا، ولا كيف تُربط تفاصيل حياتنا، ولا إلى من تنتقل. وبين خدمات نحتاجها وشروط نوافق عليها سريعًا، تتشكل صورة رقمية قد تُستخدم لفهمنا، أو التأثير فينا، أو مراقبتنا.
البيانات ليست مجرد أسماء وأرقام هواتف. موقعك، ومشترياتك، واهتماماتك، وما تبحث عنه، قد تصبح أجزاء من ملف واحد. ومن خبرتي في التسويق الرقمي، أعرف قيمة فهم الجمهور في تحسين التواصل والإعلانات. لكنني أرى ضرورة مساءلة استخدام هذه المعرفة حين يتجاوز تقديم خدمة مناسبة إلى استغلال ضعف الإنسان أو تضييق خياراته. القدرة على تحليل الناس لا تمنح صاحبها حق التصرف بحياتهم.
ولا تحتاج مراقبتنا دائمًا إلى اختراق غامض. فقد وثقت مؤسسة الحدود الإلكترونية استخدام جهات إنفاذ قانون أمريكية خدمات تتيح البحث في بيانات مواقع الهواتف المجمعة تجاريًا. هذا المثال يطرح، في رأيي، سؤالًا مقلقًا: هل يمكن أن تتحول بيانات جُمعت داخل اقتصاد التطبيقات والإعلانات إلى أدوات رقابة حكومية، بينما يجهل المواطن مسارها؟
هنا يأتي الحديث عن «البلاك ويب»، أو ما يُعرف بالويب المظلم. بعضنا يتخيله غرفة سرية تدير العالم، لكن هذا التصور يحجب المشكلة الحقيقية. تقنيات إخفاء الهوية لها استخدامات مشروعة لحماية الخصوصية والمصادر الصحفية، كما تستغلها شبكات إجرامية. وقد أشار اليوروبول إلى تداول البيانات المسروقة عبر منتديات الويب المظلم وقنوات مشفرة وأسواق إجرامية أخرى. لذلك، لا يصح اختزال كل تجارة البيانات في مكان واحد، أو افتراض أن الحكومات تديرها جميعًا.
انتقادي الأساسي يتجه إلى اللحظة التي تصبح فيها حياة الإنسان مادة متاحة للبيع أو التصنيف أو الاشتباه. قد تُسرق البيانات من مؤسسة، وقد تجمعها شركة وفق شروط لا يفهمها المستخدم، وقد تطلبها جهة رسمية. تختلف الطرق والمسؤوليات، لكن المواطن يحتاج في كل حالة إلى معرفة ما يحدث وإلى وسيلة للاعتراض. لا يكفي أن نقول له إنه وافق، إذا كانت الموافقة هي ثمن الحصول على خدمة أساسية.
أنا مع رقمنة الخدمات الحكومية حين تختصر الانتظار وتحد من المحسوبية، لكنني أرفض اعتبار الرقمنة تفويضًا مفتوحًا لجمع كل شيء. تحتاج الحكومة إلى بيانات لأداء مهامها، وهذا لا يعفيها من توضيح الغرض، وتحديد مدة الاحتفاظ، وحماية المعلومات، والخضوع لرقابة مستقلة. ومن حق المواطن أن يعرف كيف صدر قرار يمسه، وأن يصحح البيانات التي بُني عليها.
التعليقات (0)