في العاشر من تشرين الأول/أكتوبر من كل عام، يُحيي العالم اليوم العالمي للصحة النفسية، وهو مناسبة لرفع الوعي بقضايا الصحة النفسية والدفع بها إلى موقع أكثر أهمية في الصحة العامة. ويُطرح في كل عام موضوع مختلف يسلط الضوء على قضية أو أولوية محددة. أما موضوع هذا العام فهو: «التجارب المعاشة مسموعة: أصوات حقيقية، تغيير حقيقي»، وهو يضع أمامنا مسألة تتجاوز مجرد الاستماع إلى قصص الأشخاص الذين عاشوا تجربة مع الصحة النفسية: ماذا يحدث عندما نأخذ هذه التجربة نفسها كمصدر للمعرفة؟
تعرّف منظمة الصحة العالمية الخبرة المعاشة بأنها المعرفة التي يكتسبها الإنسان من تجربته الشخصية، وهي معرفة لا يمكن لمن تعلم عن التجربة أو درسها من الخارج أن يمتلكها بالطريقة نفسها. وتؤكد حملة هذا العام أن أصحاب التجارب المعاشة ينبغي ألا يُدعوا فقط إلى رواية قصصهم، ثم يُستبعدوا من القرارات التي تمس حياتهم، بل ينبغي أن يكون لهم دور فعلي في تشكيل السياسات والخدمات والقرارات المتعلقة بالصحة النفسية.
في الطب النفسي، نمتلك أدوات مهمة لفهم الأعراض وتشخيص الاضطرابات وتقدير المخاطر واختيار التدخلات المناسبة. لكن هذه الأدوات لا تستطيع وحدها أن تخبرنا كيف يعيش الإنسان ما نسميه نحن اكتئاباً أو قلقاً أو ذهاناً، ولا لماذا يطلب شخص المساعدة في لحظة معينة أو يفقد ثقته بالخدمة في لحظة أخرى. هناك معرفة تتكون داخل الحياة اليومية، ولا يمكن الوصول إليها من الكتب والملفات الطبية وحدها.
يقول المثل الشعبي: «اسأل مجرّب ولا تسأل طبيب». وربما كان المثل، رغم مبالغته، يحاول أن يقول شيئاً بسيطاً: هناك أمور لا يعرفها إلا من عاشها. لكنني أرى أن الأصح، في الصحة النفسية، أن نقول: اسأل مجرّب، واسأل طبيب.
فالشخص الذي عاش تجربة اكتئاب، أو مرّ بتجربة ذهانية، أو استخدم خدمات الصحة النفسية، يعرف تفاصيل قد لا تظهر في أي تقييم سريري. يعرف ما الذي جعله يطلب المساعدة، وما الذي جعله يثق بالمختص، وما الذي دفعه إلى الانسحاب من الخدمة. وقد يعرف أيضاً أن العلاج الذي يبدو مناسباً على الورق قد لا يكون قابلاً للحياة في ظروفه اليومية، وأن طريقة الحديث معه قد تكون جزءاً من العلاج أو جزءاً من المشكلة.
هذه ليست معرفة أقل قيمة لأنها لم تأتِ من كتاب أو جامعة. إنها معرفة تشكلت من التجربة نفسها، ولا يستطيع أن يحل محلها أي قدر من القراءة أو التدريب.
التعليقات (0)