لا تقف خسائر الاعتداءات الإسرائيلية على شجرة الزيتون الفلسطينية عند حدود الأشجار المقتلعة أو الأغصان المحروقة أو المواسم التي حُرم المزارعون من جني ثمارها، بل تمتد إلى منظومة متكاملة من القيم البيئية والاقتصادية والاجتماعية والوطنية التي تمثلها هذه الشجرة في حياة الفلسطينيين. فالزيتونة التي صمدت عقودًا طويلة، وشهدت تعاقب الأجيال، ليست مجرد مورد زراعي، وإنما جزء من ذاكرة الأرض وتراثها الطبيعي، وأحد أبرز الشواهد على العلاقة التاريخية المتجذرة بين الإنسان الفلسطيني وأرضه.
ومع ما تتعرض له أشجار الزيتون من اقتلاع وقطع وحرق وإتلاف للمحاصيل والغراس، تتفاقم الخسائر لتشمل تدهور الغطاء النباتي، وتهديد التربة والتنوع الحيوي، وتراجع مصادر دخل الأسر الريفية، فضلًا عن استهداف موروث زراعي وثقافي تناقلته الأجيال.
ولا تقتصر خطورة هذه الاعتداءات على ما تفقده الأرض في لحظتها، بل تشمل أيضًا ما يصعب استعادته في سنوات قليلة، خصوصًا حين يتعلق الأمر بأشجار معمّرة تحتاج الأشجار البديلة إلى سنوات طويلة حتى تقترب من عمرها الإنتاجي وتستعيد جانبًا من وظائفها البيئية.
وفي هذا السياق، يسلط الخبير في علوم البيئة الدكتور عبد الفتاح نظمي عبد ربه، في حديثه للمركز الفلسطيني للإعلام، الضوء على الأهمية البيئية والوطنية لشجرة الزيتون، وأبعاد الاعتداءات الإسرائيلية التي تستهدفها، وانعكاساتها على المزارعين والاقتصاد الريفي والتنوع الحيوي، إلى جانب ضرورة توثيق الأضرار علميًا وتكثيف جهود الحماية وإعادة التأهيل، بما يصون هذا الإرث الطبيعي والثقافي الفلسطيني للأجيال القادمة.
وأكد عبد ربه أن شجرة الزيتون تُعد من أبرز الأشجار المثمرة في حوض البحر الأبيض المتوسط، وتمثل في فلسطين ركيزة أساسية من ركائز التراث الزراعي والهوية الثقافية والاقتصاد الريفي، مشيرًا إلى أن أهميتها تتجاوز إنتاج الثمار وزيت الزيتون لتشمل مجموعة من الوظائف البيئية التي تجعلها عنصرًا مهمًا في الحفاظ على التوازن الطبيعي.
وقال إن الزيتون يسهم في تثبيت التربة والحد من انجرافها، كما يساعد على تخزين الكربون في كتلته الحيوية، ويوفر موائل للطيور والحشرات وغيرها من الكائنات الحية، وهو ما يمنحه قيمة بيئية تتجاوز مردوده الزراعي المباشر.
التعليقات (0)