تظهر في البوسفور سفن بهيئة غير مألوفة خلال الموسم الجاري. إذ غطت بعض أطرافها شباك وهياكل معدنية، وثُبتت على أخرى خزانات مياه وإطارات في محاولات بدائية للحد من أضرار المسيرات. تصل هذه السفن إلى المضيق بعد عبور البحر الأسود، حيث اقتربت الهجمات الروسية والأوكرانية من طرق التجارة ومرافق تصدير الحبوب، ووصل بعضها إلى المياه التركية متضررا وتحت مرافقة خفر السواحل. بدا البوسفور كما لو أنه يرسم الحد الفاصل بين بحر تتسع فيه مخاطر الحرب وممر تستطيع تركيا داخله فرض قواعد أكثر وضوحا.
وفي 31 أغسطس/آب 2026، وقف وزير الخارجية التركي هاكان فيدان أمام الصحفيين في إسطنبول متحدثا عن الأزمة الأوكرانية، التي امتدت آثارها إلى الأسواق العالمية. وكانت الهجمات الروسية والأوكرانية قد اقتربت أكثر من السفن التجارية ومنشآت تصدير الحبوب في البحر الأسود، وقال فيدان إن دولا متضررة بدأت تطلب من تركيا التدخل. وأعلن أن أنقرة أعدت عملا تتواصل بشأنه مع موسكو وكييف، وأنهما يطمحان إلى ما يشبه اتفاق الحبوب السابق إذا توافرت الشروط اللازمة. تستطيع تركيا إذن تقديم المقترح، أما الاتفاق فيحتاج إلى طرفين يملكان القدرة على قبول الرحلة أو تهديدها.
قبل أربعة أعوام، أخذت هذه القدرة شكلا أوضح على متن سفينة راسية قبالة المدينة نفسها. ففي صباح 3 أغسطس/آب 2022، صعد مفتشون من تركيا وروسيا وأوكرانيا والأمم المتحدة إلى السفينة التجارية "رازوني"، التي غادرت أوديسا قبل يومين محملة بأكثر من 26 ألف طن من الذرة ووصلت سواحل إسطنبول. وقد فحص الفريق المشترك الحمولة والطاقم، ثم أجيز للسفينة استكمال طريقها. كانت "رازوني" أول سفينة تخرج من ميناء أوكراني ضمن مبادرة حبوب البحر الأسود، ووصفت الأمم المتحدة رحلتها بأنها اختبار عملي لإمكانية تنفيذ الترتيب الذي أُبرِم في إسطنبول.
اجتمع ممثلو موسكو وكييف داخل سفينة واحدة لإنجاز مهمة محددة، فيما استمر القتال بينهما خارجها. وتفسر هذه الصورة جانبا من الموقع الذي اكتسبته تركيا خلال الحرب. فهي تستطيع توفير مكان للتفاوض، والمشاركة في بناء إجراءات تجعل الملاحة ممكنة، لكنها لا تستطيع وحدها منع روسيا أو أوكرانيا من تغيير حساباتهما العسكرية.
تقع إسطنبول عند البوسفور الذي يصل البحر الأسود ببحر مرمرة، ثم يقود الدردنيل السفن إلى بحر إيجه والمتوسط، ما يعني أن الرحلة تمر من بوابة تركية، أما أمنها قبل بلوغ تلك البوابة فيتوقف على مساحة أوسع بكثير. ولم يكن هذا الموقع مصدر راحة لحكام إسطنبول طوال تاريخه. فقد جعل قرب المضائق من العاصمة العثمانية أمن الدولة مرتبطا بصراع القوى الكبرى عليها، ثم ورثت الجمهورية التركية الناشئة ممرات بقيت أجزاء من سواحلها منزوعة السلاح وتولت لجنة دولية بعض وظائف الإشراف على نظامها. واحتاج الأمر إلى أكثر من قرن من الصراع والتفاوض حتى انتقلت تركيا من حماية موقع تخشى فقدان السيطرة عليه إلى إدارة نظام يمنحها صلاحيات لا تستطيع الأساطيل الروسية أو الغربية تجاهلها.
"انتقلت تركيا من حماية موقع تخشى فقدان السيطرة عليه إلى إدارة نظام يمنحها صلاحيات لا تستطيع الأساطيل الروسية أو الغربية تجاهلها"
التعليقات (0)