دبلوماسي أمريكي، ومستشار سابق بالخارجية، وأستاذ للعلوم السياسية في الجامعة الأمريكية.
يمثل استهداف قطر وقناة الجزيرة من قبل رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو تطويعا خطيرا للدبلوماسية الدولية ومقومات الأمن الإقليمي، وتعديا على حق الشعوب الأصيل في الإحاطة بالصراعات وفهم أبعادها، تغليبا لمآربه السياسية الداخلية.
وعندما يتوقف المؤرخون في المستقبل عند الدمار المتواصل الذي طال قطاع غزة والشرق الأوسط الأوسع في عصرنا، فإن الحملة المنهجية التي شنها رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لن تُذكر بعملياتها العسكرية وحدها، بل ستُعرّف أيضا بحملة سياسية وإعلامية لا تقل ضراوة؛ وهي جهد متواصل لتقويض الجسر الدبلوماسي الذي جعل تهدئة النزاعات التي تورط فيها أمرا ممكنا، ومسعى منسق لإسكات الصحفيين الذين ينقلون وقائع الحرب إلى الجماهير الدولية، بل وإقصائهم.
وفي قلب الحملتين اللتين يشنهما نتنياهو تتربع دولة قطر -وهي بلد مشهود له دوليا في مجال الوساطة التي أفضت مرارا إلى إطلاق سراح الأسرى والمحتجزين وتأمين تدفق المساعدات الإنسانية- وقناة الجزيرة التي خاطر مراسلوها بحياتهم وجادوا بأرواحهم لتوثيق تداعيات الكارثة.
إن تقييم هذا الحراك يقتضي المزاوجة بين مقاربتين غالبا ما يُفصل بينهما بشكل مفتعل: الأولى من الدوحة، التي كرّست عقودا من حنكتها السياسية للعب دور الوسيط المحايد الذي لا غنى عنه؛ والثانية من أروقة واشنطن الدبلوماسية والأكاديمية، حيث ترى البراغماتية الإستراتيجية أن تسوية النزاعات تصبح مستحيلة دون وجود قنوات تواصل فعالة مع الأطراف الإقليمية.
ومن هاتين المقاربتين، لا يبدو تحريض نتنياهو المستمر مجرد نتاج عرضي لتوترات زمن الحرب، ولا هو بالموقف الإستراتيجي القائم على مبادئ ثابتة؛ إنما هو إلهاء سياسي مدروس يُعرّض المدنيين للخطر، ويزعزع استقرار المنطقة، ويُكمّم أفواه الصحافة المستقلة، ويقوّض المصالح الإستراتيجية الأمريكية.
التعليقات (0)