الكاتب: د. مروان إميل طوباسي
بعد ما بات مؤكدا من تأجيل موعد الأستحقاق الإنتخابي مرة أخرى ، لم يعد ممكناً قراءة واقع الحركة الوطنية الفلسطينية ، وفي مقدمتها حركة «فتح» ، بالأدوات والمقاربات التي حكمت أداءها خلال العقود الماضية . فما جرى منذ السابع من أكتوبر ٢٠٢٣ ، وما سبقه من مسار «أوسلو» وما تبعه من حرب إبادة وتحولات سياسية وإقليمية ودولية ، كشف عمق الأزمة في بنية النظام السياسي الفلسطيني ، ومحدودية قدرة قواه على الإستجابة لمتطلبات مرحلة تتغير فيها الوقائع أسرع من مراجعة الخيارات وتجديد الأدوات .
لقد عرف شعبنا منعطفات تاريخية كبرى ، من جريمة النكبة إلى انطلاقة الثورة الفلسطينية المعاصرة ، والأعتراف بمنظمة التحرير ممثلاً شرعياً وحيدا ، وانتفاضة الحجارة وإعلان الإستقلال ، وصولاً إلى مدريد وأوسلو وما تبعها لاحقا ، محطات تركت اثراً في تحولات الوعي الوطني وأشكال التنظيم والنضال . واليوم نواجه منعطفاً لا يقل خطورة ، في ظل إستكمال مراحل مشروع إستعماري إستيطاني إحلالي يستهدف وحدة الأرض والشعب وصولا الى شجر الزيتون ، ويعيد تشكيل الجغرافيا والسياسة معاً بالقتل والتدمير والتهجير ، ما يتطلب وعياً وطنياً كفاحياً في ضرورات مواجهته .
إن التراجع الذي أصاب الحركة الوطنية ليس نتاج أخطاء أشخاص وحدهم ، بل حصيلة تراكمات سياسية وتنظيمية وفكرية ، أبرزها تراجع الديمقراطية الداخلية وضبابية الهوية ، وتداخل الحركة الوطنية وتحديداً «فتح» مع السلطة والتزاماتها ، واتساع الفجوة بين القيادة والقواعد ، وتغليب الولاءات على الإنتماء والكفاءة والتعددية ، وغياب المراجعة النقدية لتجربة «أوسلو» ومسار الحركة الوطنية بمجملها ، وصولاً إلى الأنقسام وتداعيات حرب الإبادة على غزة ومحاولات استبدال المشروع الوطني بترتيبات الإدارة السكانية والفصل الجغرافي بما له علاقة بتقديرات خاطئة رافقت الترحيب بالقرار الأممي ٢٨٠٣ وبمخطط ترامب نتنياهو بتشكيل ما سُمي «مجلس السلام» ، واستمرار التعاطي مع وهم السراب الامريكي ، دون استثمار نهوض التضامن الدولي الشعبي في كل مكان والمتغيرات في بنية النظام الدولي خاصة بعد بيان نيودلهي لدول البريكس .
ولعل المؤتمر العام الثامن لحركة «فتح» بعد تأخير عشر سنوات من انعقاد سابقه ، وما رافقه من ملاحظات جادة حول مدخلات العضوية ومخرجاته والتمثيل وغياب المراجعة الجادة للسياسات والبرامج ، بل ولنقاش مسودات وثائق المؤتمر وتحديد ما كان قد أعُد من البرنامج السياسي ، حين كان يفترض أن يشكل المؤتمر محطة للتصويب ووضوح الهوية وبنائه التنظيمي الذي يفترض ان يتجدد افقيا . غير أن إشكاليات المؤتمر عادت للظهور في ترتيبات اختيار قائمة مرشحي الحركة للإنتخابات التشريعية ، والتي أعلنت انسحابي منها ، اعتراضا على الالية وتقديرا مني بقرب الإعلان عن تأجيلها مرة اخرى تكرارا لما حدث في عام ٢٠٢٣ بعد ان كانت مقررة بعد عشرين عاماً من غيابها واستحقاقها .
فقد اعتُمدت الحركة «مُجمعات انتخابية» ولجان إختيار «حُكماء» منفصلة في المحافظات ، وكأن كل محافظة وحدة سياسية مستقلة ، رغم أن الوطن دائرة انتخابية واحدة وفق التمثيل النسبي والنظام الانتخابي ، وفي غياب آلية وطنية موحدة تضمن الاختيار لكافة مرشحين قائمة «فتح» على مستوى الوطن في انٍ واحد ، وفق الكفاءة والخبرة والقدرة لهذا الموقع والسيرة الوطنية ، وبإجراءات منسجمة مع النظام الداخلي للحركة .
التعليقات (0)