قبل أكثر من قرن، عندما فتح عالم الآثار البريطاني فليندرز بيتري المقابر الفرعية المحيطة بمدافن ملوك الأسرة الأولى في أبيدوس بصعيد مصر، وجد مئات الأشخاص مدفونين حول المقابر الملكية، فاشتبه في أنهم قُتلوا كي يرافقوا حكامهم إلى العالم الآخر، لكن غياب إصابات واضحة في الهياكل العظمية ترك هذا التفسير محل جدل استمر لعقود.
في دراسة جديدة تعود باحثة إلى تلك العظام القديمة بأدوات الطب الشرعي والأنثروبولوجيا الحديثة، لتقدم أدلة تشير إلى أن بعض المدفونين حول مجمعات الدفن الملكية تعرضوا لإصابات في الرأس قرب وقت الوفاة، ما يعزز احتمال أن تكون ممارسة قتل أفراد من الحاشية قد حدثت بالفعل في بدايات الدولة المصرية.
أعادت الدراسة التي نُشرت في 5 أكتوبر/تشرين الأول في دورية "فرونتيرز إن إنفيرونمنتال أركيولوجي" تقييم بقايا بشرية من المقابر الفرعية المرتبطة بحكام الأسرة الأولى في أم القعاب بأبيدوس، التي تعود تقريبا إلى الفترة بين 3078 و2900 قبل الميلاد، حيث كان أفراد من الحاشية الملكية والموظفين والحرفيين يُدفنون حول مقابر الحكام.
وتقول روزالين كامبل، الباحثة في قسم الأنثروبولوجيا بجامعة بوردو ومؤلفة الدراسة، إن المشكلة الرئيسية لم تكن غياب الأدلة بقدر ما كانت محدودية الأدوات المتاحة للباحثين الأوائل، إذ إن بعض الإصابات التي اعتبرت قبل قرن مجرد تلف حدث بعد الدفن يمكن اليوم تمييزها بوصفها كسورا وقعت عندما كانت العظام لا تزال محتفظة بخصائصها الحيوية.
فحصت روزالين 46 جمجمة محفوظة في مجموعة دكوورث بجامعة كامبريدج، وعثرت على أدلة لإصابات وقعت قرب وقت الوفاة في 18 جمجمة، أي نحو 39% من العينة، وكان أكثرها شيوعا كسورا خطية امتدت عبر عظام الجمجمة، بينما ظهرت أيضا إصابات بأدوات حادة، بينها جرح نافذ في جانب الرأس وإصابة قطعية قرب العين.
وتوضح الباحثة في تصريحات للجزيرة نت أن نتيجة الدراسة تكتسب أهميتها لأن بيتري نفسه كان قد استبعد وجود إصابات قاتلة، رغم أنه ظل مقتنعا بأن العدد الكبير من الأشخاص المدفونين حول الملوك يصعب تفسيره بوفيات طبيعية متفرقة، ولذلك اقترح أن بعضهم ربما قُتل أو حتى دُفن حيا كي يخدم الملك بعد الموت.
التعليقات (0)