الخميس 08 أكتوبر 2026 12:55 مساءً - بتوقيت القدس
في الوقت الذي تتواصل فيه الاستعدادات لإجراء الانتخابات التشريعية الفلسطينية المقررة في الثامن والعشرين من تشرين الثاني/نوفمبر المقبل، بدأت تتردد في الأوساط السياسية والفصائلية أنباء عن توافق بين عدد من فصائل العمل الوطني على تأجيل الانتخابات لمدة عام، بهدف إتاحة مزيد من الوقت لترتيب البيت الداخلي الفلسطيني، واستكمال مسار المصالحة، ومعالجة العقبات السياسية والفنية التي قد تحول دون إجراء انتخابات شاملة، خصوصًا في قطاع غزة والقدس.وحتى الآن، لا يوجد إعلان رسمي يؤكد اتخاذ قرار بالتأجيل، بل إن لجنة الانتخابات المركزية تؤكد استمرارها في تنفيذ الجدول الزمني للعملية الانتخابية، فيما وصلت العملية إلى مرحلة متقدمة، وتسلمت اللجنة طلبات ترشح لقوائم انتخابية، وتواصل استعداداتها في قطاع غزة والضفة الغربية والقدس.لكن مجرد طرح خيار التأجيل يفتح واحدًا من أكثر النقاشات حساسية في الساحة الفلسطينية: هل يكون تأجيل الانتخابات خطوة ضرورية لحماية المصلحة الوطنية وترتيب الوضع الداخلي، أم أنه سيعيد إنتاج حالة الانتظار التي عطلت التجديد الديمقراطي سنوات طويلة؟لا يمكن النظر إلى الانتخابات الفلسطينية بمعزل عن الواقع السياسي والأمني المعقد الذي يعيشه الفلسطينيون. فإجراء انتخابات في ظل الانقسام، والحرب وتداعياتها في قطاع غزة، والقيود الإسرائيلية في القدس والضفة الغربية، يضع العملية الانتخابية أمام تحديات استثنائية.وقد أعلنت الرئاسة في تموز/يوليو الماضي موعد الانتخابات التشريعية في القدس والضفة الغربية وقطاع غزة، فيما أكدت لجنة الانتخابات أنها عملت على معالجة عدد من القضايا الفنية المرتبطة بالعملية الانتخابية، بما في ذلك الإجراءات الخاصة بقطاع غزة، إلى جانب التعديلات القانونية والإجرائية التي استند بعضها إلى توصيات اللجنة نفسها.ومن هذا المنظور، قد يرى أصحاب خيار التأجيل أن عامًا إضافيًا يمكن أن يكون مساحة لإعادة ترتيب البيت الفلسطيني، وتحقيق قدر أكبر من التوافق بين القوى السياسية، وتثبيت آليات العمل في قطاع غزة، وضمان إمكانية مشاركة القدس، بما يجعل الانتخابات أكثر شمولًا وقابلية للتنفيذ.فالانتخابات التي لا تشمل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، أو تجري في بيئة أمنية وسياسية تمنع قطاعات من الناخبين من المشاركة، ستظل تواجه أسئلة جدية حول مدى شموليتها وقدرتها على إنتاج تمثيل وطني واسع.لكن في المقابل، هناك سؤال لا يقل أهمية: من يضمن أن العام الإضافي سيكون عامًا للتحضير للانتخابات، وليس عامًا جديدًا لتأجيلها؟هذه هي نقطة القلق الأساسية لدى القوائم والشخصيات التي بدأت بالفعل في إعداد نفسها لخوض الانتخابات، بعدما قطعت العملية الانتخابية مراحل متقدمة.بالنسبة إلى القوائم التي رتبت أوضاعها، وأعدت برامجها، وبدأت التواصل مع الناخبين، فإن أي قرار بالتأجيل سيكون له وقع مختلف تمامًا.فهذه القوى تنظر إلى الانتخابات باعتبارها استحقاقًا طال انتظاره، خصوصًا أن الفلسطينيين ظلوا سنوات طويلة من دون مجلس تشريعي منتخب، بينما تراكمت خلال هذه الفترة أزمات سياسية ومؤسسية وتشريعية متعددة.وتكمن حساسية الموقف في أن بعض القوائم والمرشحين يكونون قد تحملوا كلفة سياسية وتنظيمية ومالية وإعلامية للتحضير للاستحقاق، وبالتالي فإن إرجاء الانتخابات بعد الوصول إلى هذه المرحلة قد يُفهم لديهم باعتباره إعادة فتح الباب أمام حالة الجمود نفسها التي أُريد للعملية الانتخابية أن تنهيها.وتزداد مشاعر الإحباط لدى قطاعات من المواطنين الذين ينظرون إلى الانتخابات باعتبارها فرصة لاختيار ممثلين جدد، وإعادة الاعتبار لصندوق الاقتراع، وإعادة بناء العلاقة بين المواطن والمؤسسات السياسية.فالانتخابات بالنسبة إلى هؤلاء ليست مجرد موعد إجرائي، وإنما فرصة لتجديد الثقة بالنظام السياسي، وإدخال دماء وأفكار جديدة إلى المؤسسة التشريعية، وإعادة الاعتبار لمبدأ المساءلة وتداول المسؤولية.وقد عبرت جهات حقوقية ومدنية فلسطينية بالفعل عن هذا الاتجاه، معتبرة أن الانتخابات استحقاق وطني لا ينبغي أن يتحول إلى ملف قابل للتأجيل وفق الحسابات السياسية، فيما شددت على ضرورة أن تكون الانتخابات شاملة لجميع الأراضي الفلسطينية.في المقابل، لا يمكن التعامل مع مسألة الانتخابات كما لو أنها تجري في دولة مستقلة تملك السيطرة الكاملة على أراضيها وحدودها ومواطنيها.فالاحتلال الإسرائيلي حاضر في كل تفاصيل المشهد الفلسطيني، من القدس التي تخضع لسيطرة إسرائيلية، إلى الضفة الغربية التي تشهد قيودًا وحواجز واقتحامات وإجراءات تؤثر في حركة المواطنين، وصولًا إلى قطاع غزة الذي يعيش ظروفًا استثنائية جعلت تنظيم أي عملية انتخابية واسعة تحديًا بالغ التعقيد.ولهذا السبب، فإن قضية القدس تحديدًا ستظل اختبارًا حقيقيًا أمام أي انتخابات فلسطينية؛ إذ إن إجراء انتخابات فلسطينية شاملة يفترض معالجة آليات مشاركة المقدسيين، وعدم تحويل المدينة إلى استثناء سياسي أو انتخابي.كما أن قطاع غزة يمثل تحديًا مختلفًا، ليس فقط من الناحية اللوجستية، وإنما من حيث البيئة الأمنية والإدارية والسياسية التي ستجرى فيها العملية الانتخابية.وقد أشارت الأمم المتحدة في تقرير حديث إلى أن الانتخابات الشفافة والشاملة في الأراضي الفلسطينية المحتلة، بما فيها غزة والقدس الشرقية وفق الترتيبات السابقة، تعد عنصرًا أساسيًا لتجديد المؤسسات الفلسطينية، مع إقرارها بوجود عقبات كبيرة أمام العملية.في هذا السياق، لا يمكن فصل النقاش الداخلي الفلسطيني حول الانتخابات عن نظرة المجتمع الدولي إلى مستقبل المؤسسات الفلسطينية.فالأمم المتحدة تربط الانتخابات بتجديد المؤسسات الفلسطينية، في وقت تتزايد فيه الضغوط باتجاه إصلاح المؤسسات وتعزيز الحوكمة وتحديث الأطر القانونية والإدارية. وقد اعتبر تقرير منسق الأمم المتحدة الخاص لعملية السلام أن الانتخابات خطوة مهمة لتجديد المؤسسات الفلسطينية، مشددًا في الوقت ذاته على ضرورة تمكين لجنة الانتخابات من العمل وضمان مشاركة الناخبين بحرية.وهناك أيضًا سياق دولي أوسع يتعلق بمستقبل النظام السياسي الفلسطيني وقدرته على إدارة مرحلة ما بعد الحرب، وإعادة بناء مؤسساته، وامتلاك أطر تشريعية ورسمية وأمنية أكثر وضوحًا وتمثيلًا.ومن هنا، فإن الانتخابات لا تبدو شأنًا فلسطينيًا داخليًا فقط، وإنما أصبحت جزءًا من نقاش أوسع حول شكل النظام السياسي الفلسطيني القادر على التعامل مع المرحلة المقبلة.وقد أعلنت القيادة الفلسطينية أن تجديد الشرعيات وتطوير المنظومة المؤسسية والإصلاح الإداري والقانوني يمثل جزءًا من توجه عام لإعادة بناء المؤسسات وتعزيز الحكم الرشيد.السؤال الأصعب: ماذا بعد التأجيل؟إذا كان التأجيل مطروحًا فعلًا، فإن التحدي الأكبر لن يكون في إعلان سنة إضافية بحد ذاته، وإنما في ما الذي سيحدث خلال هذه السنة؟هل ستتحول إلى فترة زمنية محددة ببرنامج واضح لإنهاء الانقسام؟هل سيتم خلالها الاتفاق على ترتيبات سياسية وإدارية موحدة في قطاع غزة؟هل ستتم معالجة قضية الانتخابات في القدس بصورة تضمن مشاركة المقدسيين؟هل ستُستكمل الإصلاحات القانونية والمؤسسية المطلوبة؟وهل سيُحدد موعد جديد لا يخضع بعد ذلك لتأجيل آخر؟هذه الأسئلة ستكون جوهرية بالنسبة إلى القوائم والناخبين والمجتمع المدني، لأن التأجيل من دون خريطة طريق واضحة قد يعمق الشكوك بدل أن يبددها.أما إذا كان التأجيل مرتبطًا ببرنامج وطني محدد، وجدول زمني ملزم، وضمانات سياسية وقانونية، وترتيبات واضحة لإنهاء العقبات التي تعترض مشاركة غزة والقدس، فإن النقاش يصبح مختلفًا؛ إذ لا يعود التأجيل غاية بحد ذاته، بل وسيلة للوصول إلى انتخابات أكثر شمولًا.المفارقة أن الفلسطينيين يقفون اليوم أمام حاجتين متوازيتين: حاجة داخلية إلى المصالحة وترتيب البيت السياسي، وحاجة وطنية ودولية إلى تجديد الشرعيات والمؤسسات.فالاستمرار في حالة الانقسام وعدم التجديد يضعف قدرة المؤسسات الفلسطينية على مواجهة التحديات السياسية والأمنية، في حين أن الذهاب إلى انتخابات في بيئة غير مهيأة بالكامل قد يفتح الباب أمام مشكلات جديدة حول شمولية العملية ونتائجها وقدرتها على توحيد النظام السياسي.ولهذا تبدو المعادلة أكثر تعقيدًا من مجرد الاختيار بين "التأجيل" و"الانتخابات".المسألة الحقيقية هي: كيف يمكن الوصول إلى انتخابات فلسطينية شاملة ونزيهة، تشمل الضفة الغربية وقطاع غزة والقدس، وتحظى بقبول القوى السياسية والمجتمع الفلسطيني، وتفتح الطريق أمام تجديد المؤسسات بدل إعادة إنتاج الانقسام؟ربما يكون أخطر ما في النقاش الحالي أن تتحول الانتخابات من هدف وطني إلى مجرد ورقة في التفاوض بين القوى السياسية.فالقوائم التي استعدت للاستحقاق لديها حق مشروع في القلق من التأجيل، والناخب الذي انتظر سنوات طويلة لديه حق في معرفة متى سيتمكن من اختيار ممثليه، وفي المقابل فإن القوى التي تطالب بتهيئة الظروف أمام انتخابات شاملة لديها أيضًا أسئلة حقيقية تتعلق بالقدس وغزة والوضع الأمني والسياسي.وبين هذه المواقف، تبدو الحاجة إلى صيغة تحفظ جوهر الاستحقاق الانتخابي، من دون تجاهل الواقع الفلسطيني شديد التعقيد.فإذا تقرر التأجيل، فإن المطلوب ألا يكون تأجيلًا مفتوحًا، بل موعدًا جديدًا واضحًا، وخطة عمل معلنة، والتزامات سياسية محددة، وضمانات بأن تكون السنة الإضافية مخصصة لمعالجة العقبات لا لإدارة الأزمة.وإذا استمرت العملية الانتخابية في موعدها، فإن التحدي سيكون في توفير أكبر قدر ممكن من الضمانات السياسية والأمنية والفنية التي تمكن الفلسطينيين في غزة والضفة والقدس من ممارسة حقهم الانتخابي.وفي الحالتين، تبقى الحقيقة الأهم أن الفلسطينيين لا يحتاجون فقط إلى انتخابات، وإنما إلى مسار سياسي يعيد بناء الثقة بين المواطن ومؤسساته، ويوحد النظام السياسي، ويمنح المؤسسات المنتخبة قدرة حقيقية على العمل والمساءلة.فالانتخابات التي ينتظرها الفلسطينيون منذ سنوات ليست مجرد يوم اقتراع، وإنما اختبار لإمكانية إعادة بناء الحياة السياسية الفلسطينية في واحدة من أكثر المراحل حساسية في تاريخ القضية.ويبقى السؤال الذي سيحسم الجدل: *هل يكون العام المقبل، إذا حدث التأجيل، عامًا لترتيب البيت الفلسطيني استعدادًا لصندوق الاقتراع، أم عامًا جديدًا يضاف إلى سنوات الانتظار؟*
تأجيل الانتخابات الفلسطينية.. بين ضرورات التوافق الوطني وحق الناخب في تجديد الشرعيات
فـــوّاز إبراهيـــم نـــزار عطيـــة
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)