الخميس 08 أكتوبر 2026 8:45 صباحًا - بتوقيت القدس
بعد أكثر من قرن على انطلاق المشروع الصهيوني، وما يقارب ثمانية عقود على بدء جريمة الاقتلاع الكبرى "النكبة"، تبدو إحدى مفارقاته الأساسية أكثر وضوحاً اليوم، حيث استطاعت إسرائيل امتلاك قوة عسكرية هائلة، واحتلال الأرض وتغيير جغرافيتها وبناء المستوطنات وفرض منظومات السيطرة، لكنها لم تستطع حسم المسألة التي رافقت المشروع منذ بداياته والمتلخص، بماذا تفعل بالشعب الفلسطيني الذي بقي على أرضه؟فالفلسطيني ليس مجرد «مشكلة أمنية» يمكن احتواؤها، ولا «مجموعة سكانية» يمكن إدارتها إلى ما لا نهاية، بل شعب صاحب أرض وهوية وحقوق وطنية وتاريخية. وبقاؤه وصموده وتمسكه بأرضه يَحول دون الوصول إلى «الحسم» الذي سَعى إليه المشروع الصهيوني الاستعماري بأشكال مختلفة منذ بدايات جريمة الاقتلاع "النكبة".وهنا تكمن معضلة تتجاوز الأمن والحروب والحكومات، فبعد ثلاث سنوات من عدوان الإبادة والدمار الهائل في غزة، وتصاعد الاستيطان واعتداءات المستوطنين في الضفة بما فيها القدس، لم تُلغى القضية الفلسطينية، ولم يختفِ شعبها، بل عادت فلسطين إلى مركز العالم والاهتمام الدولي بعد سنوات من محاولات تهميشها أو تجاوزها.ومن هذه الزاوية يمكن أيضاً قراءة الاندفاع الإسرائيلي نحو الضم، فالعقلية الاستعمارية التي تسيطر على كافة الأحزاب الصهيونية، تعتقد أن السيطرة على أكبر مساحة ممكنة من الأرض، وتقليص الوجود الفلسطيني إلى تجمعات منفصلة ومحاصرة، يمكن أن يقود إلى حسم الصراع جغرافياً. غير أن ما يبدو انتصاراً على الخريطة قد يتحول إلى تعميق للمأزق السياسي والديموغرافي والقانوني لهذا المشروع ولدولتهم الاستيطانية.فالسيطرة الدائمة على الأرض تعني السيطرة على شعب يعيش فوقها، وكلما أُغلقت إمكانية قيام دولة فلسطينية مستقلة ذات سيادة وقابلة للحياة، الأمر الذي تشترك في رفضه كافة الأحزاب الصهيونية، فقد اقترب الواقع أكثر من فضاء سياسي واحد تهيمن عليه دولة واحدة عنصرية استعمارية، بينما يعيش سكانه في ظل منظومات مختلفة من الحقوق والتمثيل والسيادة.وهنا يظهر التناقض الذي لا تستطيع القوة العسكرية حَسمه، وهو كيف يمكن الجمع بين السيطرة على كامل الأرض، والحفاظ على تعريف إسرائيل «كدولة يهودية»، وإبقاء ملايين الفلسطينيين خارج حق تقرير المصير والمساواة السياسية ؟ وبذلك فإن اليمين في عدم وجود أي يسار صهيوني معارض لاضطهاد شعب آخر، وهو يسعى إلى حسم الصراع بالضم والاستيطان، يعيد فتح السؤال الذي حاول المشروع الصهيوني تجنبه طويلاً، لمن هذه الأرض، ومَن يملك حق تقرير مستقبلها ؟فهذه الدولة التي تريد ان تكون القوة الإقليمية الاولى بالمنطقة بعد كافة الحروب التي شنتها وما زالت ضد شعوب الاقليم، وهو أمر لا يقف هنا عند السيطرة على الجغرافيا، فالقرار الإسرائيلي الأخير بمنع لجنة الانتخابات المركزية الفلسطينية من الوصول إلى القدس وقطاع غزة لمتابعة التحضيرات للإنتخابات التشريعية يكشف وجهاً آخر للمسألة وهو محاولة التحكم أيضاً بحق الفلسطيني في ممارسة إرادته السياسية وأختيار ممثليه وتجديد شرعيات مؤسساته الوطنية.فحين يحاول الاحتلال أن يقرر أين يستطيع الفلسطيني أن ينتخب وأين لا يستطيع، فإنه لا ينازعنا على الأرض وحدها، بل يسعى إلى فرض حدود الولاية السياسية الفلسطينية فوقها.ولذلك ينبغي ألا يتحول المنع الإسرائيلي إلى ذريعة فلسطينية أستباقية لتعطيل الإنتخابات، بل إلى معركة سياسية وقانونية ودبلوماسية مع الاحتلال حول السيادة والولاية الوطنية. وإذا أراد الاحتلال منع الانتخابات، فليكن هو مَن يتحمل أمام شعبنا والعالم مسؤولية تعطيلها، لا أن نقوم نحن بتأجيلها استباقاً.وهذا يعيد الانتخابات الفلسطينية إلى موقعها الصحيح، فهي ليست مجرد إجراء داخلي لتغيير الأشخاص، بل إحدى أدوات المشروع الوطني التحرري بتثبيت وحدة الشعب والأرض، وتجديد الشرعية وتكريس الديمقراطية ومكانة شعبنا كمصدر السلطات، والتأكيد أن القدس وغزة والضفة أجزاء من فضاء سياسي وطني واحد، مع التأكيد ان فلسطين تبقى هي الوطن وفق القرار الأممي ١٨١ أمام تنامي الفكر الصهيوني الرافض لأية تسويات سياسية وفق القرارات الاممية والقانون الدولي.وفي المقابل، تأتي انتخابات الكنيست المقبلة في ظل أزمة إسرائيلية داخلية تتصل بنظرية الأمن وهوية الدولة والعلاقة بين الدين والسياسة والقضاء والسلطة والجيش والمجتمع، إضافة إلى التداعيات الدولية للحرب العدوانية غير المنتهية. وقد تختلف حكومة يقودها نتنياهو عن حكومة يقودها خصومه في الأدوات والخطاب والعلاقات الدولية، لكن تغيير الحكومات لا يعني بالضرورة تغيير جوهر المشروع الاستيطاني ومنظومته أو الإعتراف بالحقوق الوطنية لشعبنا الفلسطيني.لذلك فإن السؤال الأهم بالنسبة لنا ليس مَن سيحكُم إسرائيل، بل أي حالة فلسطينية ستواجه إسرائيل القادمة؟فبقاء الفلسطيني ليس مجرد حقيقة ديموغرافية فقط، بقاء المقدسي في مدينته ومخيمه وقريته، والفلاح في أرضه، والبدوي في تجمعه، والمواطن في الأغوار والمناطق المهددة بالمصادرة والاستيطان والضم، وبقاء أهلنا في غزة رغم الدمار ومحاولات التهجير، كلها أجزاء من معركة واحدة عنوانها حماية الوجود الفلسطيني.لكن البقاء وحده لا يكفي، والصمود المتفرق لا يصنع استراتيجية. فإذا كانت إسرائيل بمنظومتها الاستعمارية الملاصقة لها كجزء من مكون نشأتها تواجه تناقضات حول مستقبل مشروعها، بينما يبقى نظامنا السياسي منقسماً، ومنظمة التحرير بحاجة إلى التجديد والتوسيع، والشرعيات بحاجة إلى إعادة البناء ديمقراطياً، فقد تستطيع إسرائيل إعادة إنتاج مشروعها بينما نفشل نحن في استثمار أهم عناصر قوتنا.لذلك فإن المطلوب هو تحويل البقاء إلى إستراتيجية وطنية يتمثل في حماية الأرض والإنسان، وتعزيز مقومات الصمود، وتطوير المقاومة الشعبية والسياسية والقانونية، وإعادة بناء النظام السياسي على قاعدة المشاركة والمساءلة والانتخابات والتعددية، وتجديد منظمة التحرير وتوسيعها كجبهة وطنية عريضة تمثل الفلسطينيين في الوطن والشتات.فالاحتلال يسابق الزمن لتغيير الجغرافيا وفرض الوقائع وتحديد حدود ولايتنا، بينما علينا أن نسابق الزمن لإعادة بناء قدرتنا الوطنية على مواجهته.فالفلسطيني ما زال هنا وهو باقٍ هنا، لكن مسؤوليتنا اليوم هي أن نحول هذا البقاء من مجرد صمود في مواجهة الخطر إلى قوة وطنية منظمة، وإرادة سياسية موحدة، ومشروع تحرري قادر على صناعة المستقبل.
الفلسطيني الذي بَقيَ.. المُعضلة التي لم يَحسمها المشروع الصهيوني
فـــوّاز إبراهيـــم نـــزار عطيـــة
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)