الخميس 08 أكتوبر 2026 8:45 صباحًا - بتوقيت القدس
بعد ثلاث سنوات على اندلاع حرب الإبادة في قطاع غزة، يصبح من الطبيعي أن ننشغل نحن الفلسطينيين بسؤال النصر والهزيمة، وأن نحاول قراءة ما جرى في ضوء ما تحقق وما لم يتحقق، وما فقدناه وما حافظنا عليه. لكن ثمة سؤالا آخر لا يقل أهمية، وربما يكون أكثر فائدة للمستقبل يرتبط بمدى ما كشفته هذه الحرب عن أنفسنا، وعن مجتمعنا، وعن حركتنا الوطنية، وعن الطريقة التي ندير بها صراعنا الطويل ونتخذ قراراتنا المصيرية؟طرح هذا السؤال لا يعني بأي حال تحميل الضحية مسؤولية الجريمة التي وقعت عليها، أو التقليل من مسؤولية الاحتلال عن القتل والدمار والتهجير وما رافق الحرب من انتهاكات جسيمة. لكنه يعني أن الشعب الذي يريد أن يكون فاعلا في تاريخه لا يستطيع أن يكتفي بتوثيق ما فعله به الآخرون، بل عليه أيضا أن يتعلم مما جرى له، وأن يراجع أدواته ومؤسساته وخياراته، وأن يحول التجربة القاسية إلى معرفة وقدرة على الفعل، ولا سيما مع استمرار الحرب على وجوده.ولعل أول ما ينبغي مراجعته هو كيفية صناعة القرار الوطني. كيف دخلنا هذه الحرب؟ كيف قُدّرت ردود الفعل المحتملة؟ هل كانت هناك قراءات متعددة للسيناريوهات، أم غلبت على القرار رؤية واحدة؟ وما موقع المجتمع والمؤسسات الوطنية في القرارات التي تحدد مصيره؟ هذه أسئلة لا تختزل الحرب في قرار فصيل أو قيادة، وإنما تتعلق بقدرة الحركة الوطنية الفلسطينية على إنتاج معرفة استراتيجية، وعلى مساءلة قراراتها، وعلى التعلم المنظم من تجاربها، بحيث لا تبقى كل مرحلة منفصلة عن سابقتها.وكشفت الحرب، أيضا، أن قوة المجتمع جزء من القوة الوطنية. فالمقاومة لا تقاس فقط بقدرتها على المواجهة العسكرية، وإنما بقدرة المجتمع على البقاء وحماية أفراده وتنظيم حياته وتأمين احتياجاته ومتطلبات حياته الأساسية، بما في ذلك إدارة النزوح المؤقت والحفاظ على مؤسساته وعلاقاته وفاعليتها الاجتماعية في الحد الأدنى. أظهر الفلسطينيون في غزة، رغم حجم الكارثة، قدرة لافتة على التنظيم الذاتي والتكافل وإدارة شؤون الحياة في أصعب الظروف. لكن هذه الطاقة المجتمعية ظلت في كثير من الأحيان خارج البنية الرسمية لصناعة القرار وإدارة الحرب. وهذا أحد أهم الدروس؛ المجتمع ليس جمهورا للحركة الوطنية، ولا قائمة من المستفيدين في مشاريع الإغاثة، بل مصدر من مصادر قوتها وشرعيتها وقدرتها على الصمود.ومن هنا تأتي أهمية إعادة النظر في مفهومي النزوح والصمود. فقد تعاملنا مع النزوح طويلا بوصفه حالة طارئة، بينما أظهر امتداد الحرب أنه يمكن أن يتحول إلى واقع اجتماعي واقتصادي وسياسي ممتد. لذلك لا تكفي إدارة النزوح بتوفير الخيام والغذاء والماء، بل ينبغي التعامل معه باعتباره مجتمعا يحتاج إلى الحماية والتنظيم والتعليم والصحة وإدارة المواقع وحل النزاعات والحفاظ على الروابط الاجتماعية وإشراك الناس في إدارة شؤونهم. وقد أظهرت تجربة "الجيرة" والتجمعات التي نشأت في ظروف التهجير أن المجتمع يستطيع أن ينظم نفسه حتى في أقسى الظروف. وهنا يكتسب مفهوم الصمود المجتمعي التحويلي معناه، أي الانتقال من مجرد احتمال الكارثة إلى تنظيم المجتمع وتحويل التضامن والثقة والتعاون إلى قدرة مستدامة على الفعل.هذا وكشفت الحرب أيضا، وبقسوة، أزمة النظام السياسي الفلسطيني المتهالك. فقد اتسعت المسافة بين المجتمع ومؤسساته، واستمر الانقسام في لحظة كان يفترض أن تتقدم فيها الحاجة إلى وحدة الرؤية والقرار. ولذلك فإن استعادة الوحدة لا ينبغي أن تعني إعادة إنتاج الصيغة القديمة أو توزيع المسؤوليات بين القوى القائمة، كما لا ينبغي اختزال الإصلاح في إجراء انتخابات تعيد إنتاج التوازنات نفسها. المطلوب هو مراجعة الماضي، وإعادة تعريف العلاقة بين منظمة التحرير والسلطة والقوى السياسية والمجتمع، وإعادة بناء التمثيل الوطني على قاعدة الشرعية الشعبية والمساءلة والمشاركة، بحيث يصبح الفلسطيني في غزة والضفة والقدس والشتات جزءا من مشروع وطني واحد ومتجدد، مركزه الناس لا السلطة ولا السلاح.وإذا كان الانقسام قد أضعف القدرة على الفعل، فإن التجزئة الجغرافية تفعل الشيء نفسه. فقد أكدت الحرب أن غزة لا يمكن فصلها عن الضفة والقدس، ولا يمكن فصل الفلسطينيين في الداخل والشتات عن مستقبل القضية. لذلك تحتاج المرحلة المقبلة إلى رؤية وطنية واحدة، حتى وإن اختلفت أدوات العمل باختلاف الظروف. فلا يمكن مواجهة مشروع يستهدف إعادة تشكيل الجغرافيا والسياسة الفلسطينية بأدوات مجزأة وبالاكتفاء بتبادل مشاعر التضامن والتعاطف وتحويل المقتلة إلى "فرجة" أو مادة للسفسطة السياسية والتنافس الفصائلي.ويبرز هنا درس آخر يتعلق بمنظومة العمل الإنساني والاعتماد على المساعدات. لقد أصبحت الإغاثة ضرورة لإنقاذ الأرواح، لكن لا يجب أن تتحول إلى نموذج دائم للحياة. فالخطر ليس في المساعدة ذاتها، وإنما في أن يتحول المجتمع تدريجيا من مجتمع منتج إلى مجتمع ينتظر المساعدة، وفي أن تصبح سلاحا للضغط والابتزاز والاثراء الفاحش. لذا ينبغي أن يكون التعافي، عندما تسمح الظروف، انتقالا من اقتصاد البقاء إلى اقتصاد القدرة، ومن توزيع الاحتياجات إلى استعادة العمل والإنتاج والمهارات والأسواق المحلية. إعادة بناء البيت مهمة، لكن إعادة بناء القدرة على كسب العيش أهم؛ وإعادة بناء الأرض والمزرعة والمشروع الصغير والتعاونية والمؤسسة المهنية ليست مرحلة تالية للإغاثة، بل جزء من استعادة القدرة على الحياة.غير أن كل ذلك يبقى مشروطا بسؤال لا يجوز القفز فوقه: هل انتهت الحرب فعلا؟ الوقائع اليومية تقول إن المقتلة لم تنتهِ، وإن أدوات الضغط على الفلسطينيين تتغير من القصف والقتل إلى التجويع والتهجير والخنق الاقتصادي وإعادة تشكيل الجغرافيا والتهديد اليومي. ولذلك فإن الانشغال بترتيبات "اليوم التالي" قبل ضمان وقف الحرب يمكن أن يحول الانتباه عن الخطر الأساسي، أن يصبح التهجير الواسع حقيقة دائمة، وأن يتحول ما فرضته الحرب إلى أمر واقع سياسي.بالنسبة لغزة، الأولوية ليست في ترتيب الحياة بعد الحرب قبل أن تتوقف الحرب، وإنما في وقف المقتلة ومنع التهجير وحماية بقائنا على أرضنا. وهذا يتطلب فعلا فلسطينيا منظما، سياسيا ومجتمعيا ودوليا، قادرا على تحويل صمود الناس إلى قوة ضغط، وعلى رفض تحويل الإغاثة أو إعادة الإعمار إلى أدوات لإدارة التهجير بدل إنهائه. أما إعادة البناء، وفتح المدارس، واستعادة الاقتصاد، وإصلاح المؤسسات، والانتخابات، فهي قضايا ضرورية، لكنها تأتي في سياق أوسع هو استعادة القدرة الفلسطينية على تقرير المصير، لا كبديل عن وقف الحرب.وفي الوقت نفسه، كشفت السنوات الثلاث حدود الرهان على الخارج. فقد أظهرت الحرب اختلال موازين القوة، وحدود القانون الدولي حين تغيب القدرة على إنفاذه، وأكدت أن التعويل على المواقف الدولية وحدها لا يمكن أن يكون استراتيجية فلسطينية. لكن هذا لا يعني الانكفاء إلى الداخل أو الاستغناء عن العمل الدولي، بل يعني بناء قدرة فلسطينية ذاتية تجعل الدعم الخارجي والتضامن العالمي سندا للفعل الفلسطيني لا بديلا عنه.ولعل هذا هو المعنى الأعمق للتعلم بعد ثلاث سنوات. لقد حافظ الفلسطينيون في غزة على قدرة استثنائية على البقاء والتكافل والتنظيم في ظروف كان يمكن أن تدفع أي مجتمع إلى الانهيار. لكن المطلوب الآن أن تتحول هذه القدرة من مبادرات عفوية إلى قوة مجتمعية منظمة، ومن الصمود الدفاعي إلى القدرة على المبادرة، ومن إدارة الأزمة إلى بناء القدرة الوطنية. ولعل الأهم هو الاستثمار فيما تبق لدينا من قدرة على الفعل تراكميا في منع مخطط تصفية قضيتنا وتهجيرنا.إن التعلم الحقيقي من سنوات حرب الإبادة لا يبدأ من سؤال اليوم التالي لها، بل من اليوم الحالي والجاري؛ أي وقف المقتلة، حماية الإنسان، تثبيت الفلسطيني على أرضه، واستعادة المبادرة السياسية والمجتمعية. وبعد ذلك فقط يصبح التعافي فرصة لإعادة بناء الإنسان والمجتمع والمؤسسة والاقتصاد والتمثيل الوطني على أسس جديدة. ولعلنا نخرج من هذه الحرب ليس كما دخلناها؛ وإنما أكثر حكمة سياسية، وأكبر قدرة على حماية شعبنا، وعلى تنظيم مجتمعنا وتعزيز مشاركته السياسية، وعلى صياغة قرارنا بما يعزز سيادتنا وجدارتنا لا ينتقص منها ما يستجلب وصاية خارجة. تلك هي مهمة التعلم، وتلك هي نقطة البداية لأي خارطة طريق فلسطينية جديدة.
ثلاث سنوات على حرب الإبادة: ماذا تعلمنا؟
فـــوّاز إبراهيـــم نـــزار عطيـــة
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)