الخميس 08 أكتوبر 2026 8:46 صباحًا - بتوقيت القدس
«أنا أفكر، إذن أنا موجود»... عبارة فلسفية شهيرة ارتبطت بسؤال الإنسان عن وجوده ووعيه بذاته. لكن ماذا لو أخذناها إلى مكان آخر، إلى المدرسة والجامعة، وإلى سؤال يبدو بسيطًا، لكنه ليس كذلك: هل نحن موجودون فعلًا في منظومتنا التعليمية إذا لم يكن التفكير جزءًا أساسيًا من وجودنا فيها؟قد يبدو السؤال للوهلة الأولى فلسفيًا أكثر منه تربويًا، لكنه في الحقيقة يلامس جوهر العملية التعليمية. فالطالب قد يكون حاضرًا في مقعده، والمعلم حاضرًا أمامه، والكتاب مفتوحًا، والدرس يمضي وفق الخطة الموضوعة. كل شيء يبدو قائمًا كما ينبغي. لكن هل الحضور الجسدي وحده يكفي لنقول إن عملية التعلم تحدث بالفعل؟هناك فرق بين أن يكون الطالب موجودًا في الصف، وأن يكون حاضرًا بعقله وأسئلته وقدرته على الفهم والمناقشة. فالوجود الحقيقي في التعليم لا يقاس فقط بعدد الساعات التي يقضيها الطالب في المدرسة أو الجامعة، ولا بعدد الصفحات التي يحفظها، وإنما بما يخرج به من قدرة على التفكير والفهم والتحليل والتطبيق.وهنا نصل إلى واحدة من أكثر القضايا حضورًا في نقاشات التعليم: التلقين والحفظ.لا شك أن المعرفة الأساسية ضرورية، وأن الحفظ ليس عيبًا في ذاته. فلا يمكن للإنسان أن يفكر في فراغ، ولا أن يحلل شيئًا لا يعرف عنه شيئًا. المشكلة تبدأ عندما يتحول الحفظ من وسيلة إلى غاية، وعندما يصبح نجاح الطالب مرتبطًا بقدرته على استرجاع ما قيل له، أكثر من قدرته على فهمه أو استخدامه أو مساءلته.قد يعرف الطالب تعريفًا طويلًا، ويحفظ قانونًا، ويستطيع أن يعيد إجابة الكتاب كما وردت فيه، لكنه ماذا يفعل بهذه المعرفة عندما يواجه سؤالًا جديدًا لا يشبه السؤال الموجود في الامتحان؟هنا يظهر الفرق بين أن نعرف وأن نفكر فيما نعرف.التعليم الذي يكتفي بنقل المعلومات قد ينجح في إنتاج طالب يمتلك قدرًا من المعرفة، لكنه لا يضمن بالضرورة إنتاج متعلم قادر على التعامل مع المعرفة باعتبارها أداة للفهم والاكتشاف وحل المشكلات.ولعل السؤال الذي يستحق أن نتوقف عنده هو: هل نعلّم أبناءنا ماذا يفكرون، أم نعلّمهم كيف يفكرون؟السؤال الثاني أصعب، لكنه ربما أكثر أهمية.أن يتعلم الطالب كيف يسأل، وكيف يبحث عن الإجابة، وكيف يميز بين الرأي والحقيقة، وكيف يناقش فكرة لا يتفق معها، وكيف يعترف بأنه لا يعرف ثم يحاول أن يعرف؛ كل ذلك جزء من التعلم الحقيقي.فالطالب الذي لا يُسمح له بالسؤال قد يتعلم أن الصمت أكثر أمانًا من الفضول. والطالب الذي يُطلب منه أن يحفظ الإجابة الوحيدة قد يتردد في اقتراح إجابة مختلفة. أما الطالب الذي يجد في الصف مساحة للتجربة والخطأ والنقاش، فإنه يتعلم شيئًا يتجاوز محتوى المادة نفسها: يتعلم أن عقله قادر على العمل.وهنا يتغير دور المعلم أيضًا.فالمعلم لم يعد مجرد ناقل للمعلومة، خصوصًا في عالم أصبحت فيه المعلومات متاحة على نطاق واسع. قيمته الأعمق تكمن في قدرته على أن يقود المتعلم إلى السؤال، وأن يساعده على الربط بين الأفكار، وأن يدربه على البحث والتحليل، وأن يحول المعرفة من مادة محفوظة إلى معرفة قابلة للاستخدام.ولا يعني ذلك إلغاء الكتاب أو الدرس أو الاختبار، ولا يعني أن علينا أن نضع الحفظ والتفكير في طرفين متناقضين. فالمعرفة والتفكير يحتاج أحدهما إلى الآخر. لكن السؤال هو: ماذا نفعل بالمعرفة بعد أن نحصل عليها؟هل نحفظها فقط؟ أم نستخدمها؟ هل نكررها؟ أم نناقشها؟هل نكتفي بمعرفة الإجابة؟ أم نتعلم كيف وصلنا إليها؟ربما هنا ينبغي أن يتغير السؤال الذي نطرحه على التعليم. فبدل أن نسأل فقط: «كم يعرف الطالب؟»، يمكن أن نسأل أيضًا: «ماذا يستطيع الطالب أن يفعل بما يعرف؟»وهذا السؤال يقودنا إلى مساحة أوسع من المدرسة والجامعة، إلى موقعنا في عالم أصبحت فيه المعرفة والمهارات والإبداع من أهم عناصر القوة والتقدم.فنحن لا نعيش في عالم ثابت. المهن تتغير، والتكنولوجيا تتطور، والذكاء الاصطناعي يعيد تشكيل كثير من طرق العمل والتعلم، والمعلومات تتضاعف بصورة يصعب معها أن يكون الهدف من التعليم مجرد تخزين أكبر قدر ممكن منها.في هذا العالم، يصبح السؤال أكثر إلحاحًا: ماذا ننتج من خلال تعليمنا؟هل ننتج معرفة جديدة؟ أفكارًا؟ حلولًا؟ مبادرات؟ مهارات؟ أجيالًا قادرة على التعامل مع عالم يتغير بسرعة؟إن الحضور في النظام التعليمي العالمي لا يتعلق فقط بعدد الجامعات أو المدارس، ولا بعدد الطلاب الذين يلتحقون بالتعليم. فهناك فرق بين أن نكون موجودين في خريطة التعليم، وبين أن يكون لنا حضور معرفي وفكري ومهاري فيها.وهذا لا يعني أن نقيس أنفسنا دائمًا بالآخرين أو أن ننظر إلى تجاربهم باعتبارها نموذجًا يجب نسخه. بل يعني أن نسأل أنفسنا بصدق: ما الذي يصنعه تعليمنا في عقل المتعلم؟ وما الذي يستطيع هذا المتعلم أن يضيفه بعد سنوات من التعلم؟ربما تكمن المشكلة أحيانًا في أننا ننظر إلى التعليم من زاوية النتائج المباشرة: علامة في اختبار، شهادة جامعية، نجاح في مقرر، أو الحصول على وظيفة. وهذه كلها أمور مهمة، لكنها ليست الصورة الكاملة.فالتعليم في جوهره يفترض أن يترك في الإنسان قدرة تستمر معه بعد انتهاء الامتحان، وبعد إغلاق الكتاب، وبعد مغادرة المدرسة أو الجامعة.قد ينسى الطالب كثيرًا مما حفظه، وهذا طبيعي. لكن ما يبقى مهمًا هو قدرته على التعلم من جديد، وعلى السؤال، والبحث، والتحليل، والتكيف، واتخاذ القرار، والعمل مع الآخرين، وتحويل المعرفة إلى فعل.وهنا يصبح التفكير ليس مادة إضافية نضيفها إلى المنهج، ولا مهارة نضع لها حصة جانبية، بل جزءًا من معنى التعلم نفسه.فالطالب الذي يسأل ليس طالبًا مشاغبًا بالضرورة، والطالب الذي يناقش ليس طالبًا يرفض التعلم، والطالب الذي يخطئ في محاولة الوصول إلى حل جديد ليس بالضرورة أقل قدرة من الطالب الذي يحفظ الإجابة الصحيحة.أحيانًا، قد يكون الخطأ جزءًا من الطريق إلى المعرفة، وقد يكون السؤال الجيد أكثر قيمة من إجابة محفوظة.ومن هنا، فإن تطوير التعليم لا يبدأ فقط بإضافة مادة جديدة أو تغيير كتاب دراسي، بل يبدأ أيضًا من الطريقة التي ننظر بها إلى المتعلم نفسه: هل نراه وعاءً للمعلومات، أم عقلًا قادرًا على إنتاج المعنى؟وهذا يعيدنا إلى العبارة الأولى: «أنا أفكر، إذن أنا موجود».في السياق التعليمي، يمكن أن نعيد صياغتها بطريقة أخرى:أنا أسأل، إذن لي صوت.أنا أتعلم، إذن لدي القدرة على التغير.أنا أفكر وأنتقد وأبدع، إذن أستطيع أن أضيف.فالمسألة في النهاية ليست فقط: هل نحن موجودون في المدرسة؟ وهل نحن موجودون في الجامعة؟ وهل لدينا مؤسسات تعليمية وشهادات وبرامج؟السؤال الأعمق هو: كيف نوجد؟هل نوجد كمتلقين فقط، أم كأشخاص قادرين على التفكير والمشاركة والإنتاج؟هناك فرق بين أن نكون موجودين، وأن نكون فاعلين.وربما هذا هو السؤال الذي ينبغي أن يبقى مفتوحًا أمام كل منظومة تعليمية: ليس فقط كيف نُعلّم، بل ماذا نريد أن يصنع التعليم في الإنسان؟فحين يصبح التفكير جزءًا من التعلم، لا يعود الطالب مجرد حاضر في الصف، بل يصبح حاضرًا في العملية التعليمية نفسها. وحين تتحول المعرفة إلى قدرة على الفهم والسؤال والإبداع، يصبح التعليم أكثر من طريق إلى الشهادة.ربما هنا تحديدًا يصبح اژلتفكير أكثر من مهارة تعليمية.يصبح فعل وجود.وحين يكون التعليم قادرًا على أن يجعل عقل المتعلم حاضرًا، لا جسده فقط، يمكن عندها أن نقول:أنا أفكر، أنا حاضر... وأنا أضيف، إذن لي حضور.
عندما يصبح التفكير جزءاً من التعلم
فـــوّاز إبراهيـــم نـــزار عطيـــة
كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.
ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.
التعليقات (0)