f 𝕏 W
حين تصبح الحاجة اليومية عبئًا إضافيًا على مريض نزف الدم

جريدة القدس

سياسة منذ 47 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين تصبح الحاجة اليومية عبئًا إضافيًا على مريض نزف الدم

الخميس 08 أكتوبر 2026 8:42 صباحًا - بتوقيت القدس

بعيدًا عن التنظير والتهويل، وبعيدًا أيضًا عن تراشق الاتهامات بالتقصير أو تحميل المسؤوليات، وعن الانتقاد اللاذع لمن يتشدقون بالمساهمة والمشاركة في المسؤولية المجتمعية، ثم يختارون بعض الفئات والهيئات على حساب فئات أخرى، أجدني أحيانًا متحرجًا حتى من طلب مساعدة المجتمع المحلي أو العالمي، أو من التفكير في تنظيم حملات شعبية لمساعدة الفئات المهمشة التي أعمل معها.ولعل ما يدفعني إلى هذا التردد هو أنني، وبعد ما يقارب ثلاثة عقود من العمل التطوعي والإنساني، ما زلت أؤمن أن العمل مع الناس لا ينبغي أن يتحول إلى مجرد استجداء دائم للمساعدة، ولا أن تصبح معاناة المرضى مادة موسمية للحملات والمبادرات.لكنني، وأنا أتواجد اليوم في مقر الجمعية الفلسطينية لأمراض نزف الدم، وأراجع الاتصالات والرسائل التي تصل من المرضى وعائلاتهم، لفت نظري من جديد حجم التواصل المتزايد من المواطنين، وتنوع طلباتهم واحتياجاتهم، القادمة من مختلف المحافظات الفلسطينية.أعرف أن احتياجات مرضى الهيموفيليا وأمراض نزف الدم ليست جديدة، وأعرف أكثر أن بعضها واضح ومحدد، ولا يحتاج إلى كثير من الشرح.هؤلاء المرضى يحتاجون إلى علاجهم بشكل مستمر ودائم، فالعوامل المخثرة ليست ترفًا ولا علاجًا يمكن تأجيله إلى وقت آخر. ويحتاجون كذلك إلى رعاية طبية ونفسية واجتماعية تتوافر لهم عند الحاجة، لأن المرض لا يتوقف عند حدود الجرعة العلاجية، ولا ينتهي بانتهاء زيارة الطبيب أو المستشفى.وتعمل الجمعية، ضمن المحافظة على تخصصيتها، في مجالات التوعية والتثقيف والحشد والتشبيك، من أجل المساهمة في توفير الخدمات الطبية والنفسية والاجتماعية للمرضى من خلال مقدمي الخدمات والجهات ذات العلاقة.لكن ما يؤلمني اليوم هو أن تصلنا احتياجات تتجاوز في كثير من الأحيان حدود المرض وعلاجه. أتساءل بحرقة وألم لماذا يطلب من مريض أن يوقع كمبيالات مالية حتى يحصل على علاجه؟ولماذا يجد مريض آخر نفسه يبحث عمن يسدد عنه كمبيالات اضطر إلى توقيعها في مستشفى لإجراء طبي لزوجته؟ وما ذنب طفل مصاب بمرض مزمن أن يبحث أهله عمن يساعدهم في دفع رسوم مدرسته أو تأمين بدل المواصلات من وإلى المدرسة؟أما المرضى الذين يبحثون عن مساعدة لتغطية رسومهم الجامعية، أو عن فرصة عمل تمكنهم من الاعتماد على أنفسهم، فتلك حكاية أخرى من الاحتياج، تحتاج إلى أن نتوقف عندها وأن نبحث لها عن حلول عملية، لا أن نكتفي بالتعاطف معها.أنا لا أطرح هذه الأسئلة من باب توجيه الاتهام لأحد، ولا أريد أن أحمل جهة بعينها مسؤولية كل هذه التفاصيل. كما أنني لا أريد أن تتحول هذه الكلمات إلى شكوى جديدة تضاف إلى شكاوى كثيرة.لكنني، بعد سنوات طويلة من العمل مع مرضى نزف الدم، أجد صعوبة في أن أتجاهل ما أراه وأسمعه كل يوم.الجمعية ليست مستشفى، وليست مدرسة، وليست جامعة، وليست مؤسسة تشغيل، وليست بديلًا عن مقدمي الخدمات. دورها الأساسي هو التوعية والتثقيف والحشد والتشبيك والمناصرة، والعمل مع الجهات ذات العلاقة من أجل أن يحصل المرضى على حقوقهم وخدماتهم الأساسية.ومع ذلك، تصلنا كل هذه القصص، لأن المريض وعائلته غالبًا لا يعرفان إلى أين يتجهان عندما تضيق بهما الخيارات.وهنا، ربما، تكمن المسألة التي تستحق أن نتوقف عندها جميعًا.لسنا بحاجة إلى مزيد من الكلمات الكبيرة عن المسؤولية المجتمعية بقدر حاجتنا إلى ترجمة هذه المسؤولية إلى أفعال صغيرة وواضحة ومستدامة. أن يعرف المريض إلى من يتوجه، وأن يجد جهة تساعده في الوقت المناسب، وأن لا يضطر الطفل إلى دفع ثمن مرضه من حقه في التعليم، وأن لا يتحول العلاج إلى دين أو كمبيالة، وأن لا يبقى الشاب المريض أمام باب الجامعة أو سوق العمل يبحث وحده عن فرصة.هذه ليست مطالب مستحيلة، ولا أظن أنها تحتاج دائمًا إلى حملات ضخمة أو عناوين كبيرة.أحيانًا، ما يحتاجه الأمر هو أن تتكامل الأدوار، وأن تنظر المؤسسات والهيئات والأفراد إلى هذه الفئات باعتبارها جزءًا من مجتمعنا، لا باعتبارها قضية موسمية تظهر عندما نقرر نحن أن نتذكرها.وأقول ذلك أيضًا وأنا أشعر بشيء من الحرج، لأنني أعرف أن طلب المساعدة ليس أمرًا سهلًا، خصوصًا عندما يتعلق الأمر بمرضى نعمل معهم منذ سنوات، ونريد لهم أن يعيشوا بكرامة، لا أن يبقوا في انتظار حملة أو تبرع أو مبادرة.كل ما نريده في نهاية المطاف هو أن يحصل مريض نزف الدم على علاجه في وقته، وأن يذهب الطفل إلى مدرسته دون أن تكون المواصلات عبئًا على أسرته، وأن يكمل الشاب جامعته دون أن يشعر أن مرضه قد أغلق أمامه أبواب المستقبل، وأن يجد من يستطيع العمل فرصة عادلة للعمل.ربما لا نستطيع أن نحل كل شيء دفعة واحدة.لكننا نستطيع، إذا تكاملت الأدوار، أن نجعل حياة هؤلاء المرضى أقل صعوبة.وهذا، في رأيي، هو جوهر المسؤولية المجتمعية: أن نرى الإنسان أولًا، وأن نساعده على أن يعيش حياته بكرامة، لا أن نكتفي بالحديث عن معاناته.

حين تصبح الحاجة اليومية عبئًا إضافيًا على مريض نزف الدم

إسماعيل مسلماني : مختص بالشأن الاسرائيلي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)