كاتب وباحث في علم الاجتماع السياسي.
ما يستحق الوقوف عنده في الاحتجاجات التي تشهدها فرنسا حاليا هو أن باعثها هو "التعليم" ودافعها الرغبة في إصلاحه، وغايتها منع تدهور مكانة الدولة في أوروبا والعالم، اقتناعا بأنه لا نهضة تقوم، ولا مكانة تعلو، دون تعليم جيد، لكن مآلاتها قد تتعدى ذلك بكثير.
ابتداء، يُطالب المحتجون بزيادة الموارد المخصصة للتعليم، وتوفير العدد الكافي من المدرسين والموظفين الإداريين، وتعويض حالات الغياب، وتقليل ساعات الحضور بالمدارس، وخفض كثافة الفصول بعد اكتظاظها مما يؤثر على فرص الطلاب في استيعاب دروسهم ومناقشة مدرسيهم، وتذليل الاختبارات التي باتت غاية في الصعوبة، وتحسين ظروف الدراسة بوجه عام، لا سيما المنشآت التعليمية التي صارت متهالكة، وبعضها لم يعد ملائما للتغيرات المناخية، حيث موجات الحرارة التي تجتاح أوروبا، بشكل غير مسبوق.
بالطبع، فهذه المظاهرات ليست الأولى للطلبة في فرنسا في الزمن الحديث والمعاصر، إذ لا ينسى العالم مظاهرات عام 1968 التي قادت لتحولات سياسية ومعرفية، وتجذرت عميقا في الوعي الأوروبي برمته، حتى إنها أنتجت في مناهج التفكير والنقد والفلسفة ومساقات علم الاجتماع، لتفتح الطريق إلى ما بعد البنيوية. لكن هذه المظاهرات تعددت أسبابها وقتها، ولم تتمركز حول التعليم.
لقد عزا الرئيس الأمريكي دونالد ترمب المظاهرات الراهنة إلى "الهجرة المفرطة، ورغبة الإسلام في السيطرة على فرنسا"، ورأى أن الأمر لا يتعلق بالمدارس، وهي رؤية زائفة، تتساوق مع ما يؤمن به ترمب، وتجهل تاريخ الاحتجاج في فرنسا، وحجية مبررات الغضب حيال تراجع التعليم، وهذا ما تعاني منه البلاد حقا
فالطلاب الفرنسيون الذين خرجوا إلى الشوارع قبل ثمانية وخمسين عاما كانوا قد ضاقوا ذرعا بالنظام السياسي والاجتماعي المحافظ للرئيس شارل ديغول، والذي لم يكن مستوى ديمقراطية مؤسساته يرضيهم، وكانوا متأثرين بأفكار اليسار الراديكالي المتمردة على قيم البرجوازية وتقاليدها، وتصل إلى أسماعهم أصداء حرب فيتنام.
التعليقات (0)