لم يكن خروج عقيلة صالح من رئاسة مجلس النواب الليبي مجرد إجراء برلماني روتيني لتبديل رئيس بقي في منصبه لأكثر من عقد، بل جاء كمؤشر قوي على تحول جذري في موازين القوى داخل معسكر شرق ليبيا. هذا التغيير يعيد رسم الحدود بين النفوذ العسكري والسياسي في منطقة اعتمدت لسنوات على معادلة توفر فيها القوة المسلحة بقيادة خليفة حفتر الغطاء المؤسسي والسياسي عبر البرلمان.
بدأت ملامح تصدع هذه المعادلة التاريخية تظهر بوضوح مطلع شهر أكتوبر، حين تدخل حفتر شخصياً في الأزمة البرلمانية الداخلية عبر استقباله عشرات النواب المعارضين لعقيلة صالح في مدينة بنغازي. هذا اللقاء منح الضوء الأخضر للتحركات التي انتهت بإقصاء أحد أقدم الحلفاء السياسيين لحفتر، مما يؤكد أن ما جرى يتجاوز كونه شأناً داخلياً للمجلس.
توقيت الإزاحة يثير تساؤلات جوهرية، خاصة وأنه يتزامن مع حراك دولي مكثف لإعادة تشكيل السلطة التنفيذية في ليبيا، تقوده بعثة الأمم المتحدة عبر لجنة '4+4' وتحركات أمريكية موازية. ويبدو أن هناك رغبة في تهيئة المؤسسة التشريعية لتكون أكثر انسجاماً مع الترتيبات القادمة التي تهدف لإنهاء الانقسام وتوحيد المؤسسات.
على الرغم من عدم صدور موقف علني مباشر من حفتر يعلن نهاية التحالف، إلا أن صمته تجاه تحركات النواب المعارضين داخل مناطق نفوذه كان بمثابة رسالة واضحة. فقد سمح حفتر للكتلة البرلمانية بالتحرك بحرية لعقد جلسة التصويت التي أفضت إلى انتخاب الصالحين عبد النبي العبيدي رئيساً جديداً للمجلس.
عقيلة صالح من جانبه رفض هذا المسار جملة وتفصيلاً، واصفاً الإجراءات بأنها غير قانونية ولا تترتب عليها أي آثار دستورية، مما ينذر بصراع جديد على شرعية رئاسة البرلمان. هذا الانقسام القانوني قد يعقد المشهد السياسي أكثر، خاصة في ظل التنافس المحموم بين القوى المحلية على تمثيل المؤسسات السيادية.
اللافت في الأمر أن عقيلة صالح كان قد قاد البرلمان قبل أسابيع قليلة لاعتماد اتفاق لجنة الحوار المصغر '4+4' برعاية أممية، وهو الاتفاق الذي يهدف لمعالجة العقبات أمام الانتخابات. ومع ذلك، واجه هذا المسار رفضاً من المجلس الأعلى للدولة في طرابلس، مما أضعف موقف عقيلة وجعله يبدو كمن استنفد أوراقه السياسية.
التعليقات (0)