في أحد أسرّة مستشفيات قطاع غزة، يرقد الصحفي عمار قديح بلا حركة، بينما تنتظر عائلته أن يُسمح له بالخروج لتلقي العلاج الذي لا يتوفر داخل القطاع. جسده الذي أنهكه المرض والإصابة لا يحتمل مزيدًا من الانتظار، وأسرته التي اعتادت أن تراه واقفًا إلى جانب الآخرين، تقف اليوم أمام المستشفى مطالبة بأن يجد من يقف إلى جانبه. في السادس من أكتوبر/تشرين الأول، نظمت عائلة الصحفي عمار قديح وقفة تضامنية للمطالبة بتسريع إجراءات تحويله للعلاج خارج قطاع غزة، في ظل تدهور حالته الصحية وحاجته إلى رعاية طبية متخصصة. وطالبت العائلة الجهات المعنية بتحمل مسؤولياتها، واستكمال إجراءات سفره بصورة عاجلة، محذرة من أن استمرار التأخير يفاقم وضعه الصحي. وفي حديثه عن حالة شقيقه، قال سامر قديح إن حالة عمار تزداد سوءًا يومًا بعد يوم، موضحًا أنه يرقد الآن في المستشفى بلا حراك، وأن الحركة ممنوعة عنه بشكل كامل، بعدما أصيب بكسر في فقرات الرقبة إثر حادث تعرض له قبل نحو شهر. ويقول سامر إن فقرات الرقبة المصابة لا تحتمل الحركة، ولذلك يبقى شقيقه طريح سريره في المستشفى، فيما لا يتوفر العلاج الذي يحتاجه داخل قطاع غزة، الأمر الذي يجعل خروجه إلى الخارج ضرورة علاجية لا تحتمل التأجيل. ولا تتوقف معاناة عمار عند إصابته الأخيرة؛ إذ يعاني، وفق شقيقه، منذ سنوات طويلة من مرض مناعي مزمن، إلى جانب عدم انتظام ضغط الدم، وهو ما يزيد من تعقيد حالته الصحية ويجعل الحصول على رعاية طبية متخصصة أكثر إلحاحًا. يقول سامر إن عمار كان دائمًا معتادًا على مساعدة الآخرين، وكان يناشد من أجل المرضى ويطالب بإخراجهم للعلاج، قبل أن يجد نفسه اليوم في المكان ذاته الذي طالما تحدث عنه في تغطيته الصحفية: مريضًا ينتظر دورًا للعبور. وعمار قديح ليس مجرد مريض ينتظر تحويلة. فهو صحفي معروف، ومدير مؤسسة الرسالة للإعلام، وعمل سنوات في المجال الصحفي، وارتبط اسمه بالتغطية الإعلامية من داخل قطاع غزة. كما أنه صاحب أخلاق مهنية وقلم متميز، فيما باتت اليوم تناشد الجهات المسؤولة أن تعيده إلى زوجته وأطفاله كما كان قبل أن يتحول الحادث والمرض إلى انتظار مفتوح على الاحتمالات. وقفة العائلة أمام المستشفى كانت محاولة لتحويل هذا الانتظار إلى نداء علني: أن يخرج عمار إلى مكان تتوفر فيه إمكانات العلاج قبل أن يصبح التأخير نفسه جزءًا من الخطر الذي يهدد حياته. وحالة عمار واحدة من حاللت كثيرة أعلنت وزارة الصحة في غزة أن نحو 20 ألف مريض لديهم تحويلات طبية مكتملة وينتظرون السماح لهم بالسفر للعلاج خارج القطاع، بينهم 440 حالة مصنفة ضمن حالات إنقاذ الحياة، فيما توفي 1268 مريضًا وهم ينتظرون السماح لهم بالسفر للعلاج. وكانت وزارة الصحة قد تحدثت في يونيو/حزيران عن 17,730 تحويلة طبية لمرضى وجرحى بحاجة فعلية وملحة للسفر، بينهم أكثر من 3300 حالة طارئة جدًا تستدعي تدخلاً علاجيًا فوريًا.
وفي صفوف الصحفيين، لا يبدو المشهد أقل قسوة؛ فقد قالت نقابة الصحفيين الفلسطينيين في سبتمبر/أيلول إن نحو 40 صحفيًا في غزة بحاجة إلى إجلاء طبي والعلاج خارج القطاع. وبحسب تقرير حقوقي صدر في أكتوبر/تشرين الأول، فقد أُصيب 575 صحفيًا منذ السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2023، إلى جانب استشهاد 261 صحفيًا وتوثيق عشرات الانتهاكات الأخرى بحق العاملين في الإعلام. بين هؤلاء المصابين والمرضى يقف عمار قديح الآن، لا يحمل كاميرته ولا قلمه، ولا يستطيع حتى تحريك جسده؛ ينتظر فقط أن يتحول النداء الذي خرج من أمام المستشفى إلى تصريح عبور، وأن تُفتح له الطريق التي طالما طالب بفتحها لغيره، ليعود إلى زوجته وأطفاله، لأنه إنسان وله حق في العلاج.
التعليقات (0)