«نحن طواقم خدمات إنسانية ولسنا إرهابيين. أوقفوا الحرب فقط. لا تقولوا: أعانكم الله. يكفي تكرار هذه الجملة. أوقفوا الحرب فقط». لقد ملّ محمد طموس، رجل الدفاع المدني، من ترديد هذه العبارة على مدار ثلاثة أعوام متواصلة، وهو على رأس عمله، يركض نحو الأماكن التي يهرب منها الآخرون، ويدخل إلى البيوت التي خرج منها الصراخ، ويحمل المصابين من تحت الركام، وينتشل الشهداء بأيدٍ أنهكها التعب ونقص المعدات. لكن محمد طموس، أمس، ارتاح إلى الأبد. فجر الأربعاء، في السابع من أكتوبر/تشرين الأول 2026، كان القصف قد استهدف مجموعة من المواطنين قرب البوابة الشمالية لمستشفى كمال عدوان شمال قطاع غزة. وكما فعل طوال السنوات الثلاث الماضية، توجه محمد إلى المكان لإنقاذ المصابين وإجلائهم. لكن الاستهداف طال المنطقة مرة أخرى، فأصيب محمد بجروح خطيرة، قبل أن يفارق الحياة متأثرًا بها بعد وصوله إلى مستشفى الشفاء. وأصيب مواطنان آخران في القصف ذاته، وفق مصادر محلية وتقارير فلسطينية. كان محمد، المعروف باسم أبو لؤي، في الحادية والعشرين من عمره عندما التحق متطوعًا بجهاز الدفاع المدني في شمال قطاع غزة في الأيام الأولى للحرب. لم ينتظر وظيفة، ولم يبحث عن أمان، ولم تكن أمامه بدلة تحميه من الصواريخ؛ كان هناك ركام كثير، وأناس عالقون تحته، وطواقم إنقاذ تحتاج إلى كل يد قادرة على الحفر والانتشال. في نوفمبر/تشرين الثاني 2025، ظهر محمد في شهادة صحفية يتحدث عن تجربته في العمل مع الدفاع المدني. قال إنه عندما سمع نداء الجهاز لحاجته إلى متطوعين لم يتردد، لأنه شعر أن واجبه أن يكون جزءًا من هذا العمل الإنساني، بينما كان الشهداء يُدفنون تحت الركام والطواقم بحاجة إلى من يساعدها. ثلاث سنوات لم تكن بالنسبة إليه مجرد مدة زمنية؛ كانت آلاف النداءات، ووجوهًا خرجت من تحت الأنقاض، وأخرى لم تخرج، وأطفالًا وأمهات ظلّت صورهم عالقة في ذاكرته. كان يقوم مع زملائه بنقل المصابين، والبحث عن المفقودين، وتقديم الإسعافات الأولية وإخماد الحرائق، بعدما تلقى تدريبات مكّنته من أداء هذه المهام في ظروف شديدة القسوة. وكان يقول إن أكثر ما يؤلمه هو رؤية جثامين الأطفال والأمهات وهي تُنتشل بعد أيام من تحت الركام، لأن هذه المشاهد لا تُنسى. وفي واحدة من أكثر التجارب قسوة في حياته، كان محمد في ديسمبر/كانون الأول 2023 ضمن فريق توجه لإنقاذ عائلة عالقة تحت أنقاض منزل في بيت لاهيا. أثناء عملهم، استُهدف منزل مجاور من خمسة طوابق، فانهار فوق الموجودين في المكان، وفقد محمد زميله محمد فرج الله، بينما بقي هو عالقًا تحت الركام نحو نصف ساعة. كان محمد قد ذهب يومها لإنقاذ الآخرين، فإذا به يحتاج إلى من ينقذه. تلك النصف ساعة بقيت في ذاكرته. قال لاحقًا إنه لم يتخيل أن يجد نفسه يومًا في ذلك الموقف، وأنه شعر بأن شريط حياته يمر أمامه. لكنه خرج من الركام وعاد إلى العمل. عاد لأن هناك من ينتظر من يفتح له طريقًا وسط الركام. وعاد لأن الدفاع المدني في غزة لم يكن يملك رفاهية التوقف. كان الجهاز يعمل خلال الحرب بإمكانات بالغة القسوة، فيما دُمّرت معظم آلياته ومعداته. وبحسب إفادة لمسؤول في الدفاع المدني في تقرير سابق، دُمّر أو خرجت من الخدمة عشرات مركبات الإطفاء والإنقاذ، بينما كانت الطواقم تضطر إلى استخدام أدوات يدوية بدائية للوصول إلى العالقين تحت الأنقاض. كما وثقت تقارير وزارة الصحة استشهاد عشرات من عناصر الدفاع المدني خلال الحرب. كان محمد يعرف الخطر جيدًا. لكنه كان يرى أن التفكير فيه يتراجع أمام الرغبة في إنقاذ الأرواح. وفي صباح السابع من أكتوبر 2026، لم يتغير شيء في مهمته. قصفٌ في محيط مستشفى كمال عدوان؛ مصابون يحتاجون إلى من يصل إليهم؛ مركبات إسعاف ودفاع مدني تتجه إلى المكان؛ محمد طموس يتقدم؛ ثم قصف آخر. ثم يعود الرجل الذي قضى ثلاثة أعوام يخرج الآخرين من الموت، محمولًا هذه المرة إلى المستشفى. لم يكن محمد أول من وصل إلى مكان الخطر في تلك الحرب، لكنه كان واحدًا من أولئك الذين ظلوا يصلون إليه رغم معرفتهم بأن المكان الذي يذهبون إليه قد يكون المكان الأخير. قال ذات مرة إن الواجب الإنساني هو ما يدفعهم إلى الاستمرار. وفي يومه الأخير، فعل ما قاله تمامًا.
ولهذا تبدو عبارته القديمة اليوم كأنها وصية لم تكتمل: «نحن طواقم خدمات إنسانية ولسنا إرهابيين... أوقفوا الحرب فقط». ثلاث سنوات ظل محمد يطلب من العالم أن يترك لهم فرصة لإنقاذ الناس. وفي اليوم الأول من عامه الرابع، لم يجد العالم وقتًا كافيًا لإنقاذه؛ وارتقى لينضم إلى 1,411 شهيد من أفراد الطواقم الطبية و113 من أفراد طواقم الدفاع المدني في قطاع غزة.
محمد طموس، أبو لؤي، المتطوع الذي بدأ الحرب في الحادية والعشرين، والذي دخل إليها لإنقاذ العالقين تحت الركام، والذي فقد زميلًا وهو يحاول إنقاذ عائلة، والذي خرج هو نفسه من تحت الركام وعاد إلى الميدان، انتهت قصته في المكان ذاته الذي اختار أن يقضي فيه سنواته الثلاث: بين المصابين، قرب مستشفى، وفي طريقه إليهم.
التعليقات (0)