عند خيط الفجر الأول، وقبل أن يبدأ الضجيج داخل المخيم المقام على أرض "جامعة الأقصى" في خان يونس جنوبي قطاع غزة، ينحني شاب فوق مساحة لا تتجاوز مترين إلى جانب خيمته. يفحص شتلات من النعناع والريحان والبقدونس زرعها بيديه قبل أيام، ويسقيها بما تيسر من خبيئة الماء التي نجت من استهلاك اليوم الماضي. لا شيء في هذا المشهد الهادئ يبدو استثنائيا للوهلة الأولى، لكنه في عمقه محاولة خافتة للتفلت من قبضة معاناة يومية على وشك البدء.
بعد دقائق معدودة، يترك أيمن نور (20 عاما) شتلاته ويتجه إلى طابور الماء الطويل، مثل المئات غيره، حاملا بيديه المُتعبتين قوارير بلاستيكية؛ إيذانا ببدء معركة يوم جديد، تنقضي ساعاته الطوال في طوابير متصلة للحصول على المياه والحصص الغذائية والدواء. ويتكرَّر نمط حياة أيمن لدى أهالي قطاع غزة جميعهم، الذين وضعتهم الحرب منذ عام 2023 أمام واقع معيشي مرير، إذ يحتاج القطاع يوميا إلى نحو 450 طنا من الدقيق لسد الرمق، بينما لا يدخل فعليا سوى أقل من نصف هذه الكمية. وفي الوقت الذي تعاني فيه نحو 82% من أسر غزة من انعدام الأمن المائي، ارتفعت نسبة الفاقد في شبكات المياه المتضررة إلى ما بين 50-70%.
في ظل هذه الأرقام، يُعاد تشكيل يوم المواطن في غزة قسرا حول "طوابير البقاء"، في تحوُّل تدريجي أليم من العيش بهدف بناء الحياة، إلى العيش لمجرد الاستمرار فيها. فبين الشتلة التي يرويها أيمن عند الفجر، والطابور الذي يبتلع نهاره بأكمله، تتكثف حكاية غزة الراهنة بكامل تفاصيلها.
بين ممرات الجامعة، حيث تتناثر الخيام في ساحتها لإيواء النازحين، يخرج أيمن راكضا، يحمل قارورة مياه متجها نحو بوابتها الجنوبية حيث تقف سيارة المياه، وأمام خراطيم المياه المتدلية منها عشرات الجالونات والقوارير المصطفة. يضع الشاب قارورته في الدور، ثم يرقب بعينيه تعبئة ما يسبقه من جالونات واحدا تلو الآخر. وحين يحين دوره ويُعبَّأ ما بحوزته، يختار أن يحمل ما يقارب خمسين لترا من المياه بيديه المثقلتين، غير مستجيب لطلب أمه أن يرحم نفسه؛ فهو مصاب برصاصة استقرت في بطنه جعلته أسير كيس "الكولوستومي" منذ ما يقارب عام، بعدما أصابه قناص إسرائيلي.
في هذا اليوم، كانت توقعات أمه صائبة، إذ عانى أيمن من ضغط دم مرتفع، وذهب إلى الطبيب الذي حذَّره من احتمال حدوث جلطة. ويقول أيمن: "شعرت بثقل في يدي وقدمي، وعندما ذهبت إلى الطبيب أخبرني أن ضغطي مرتفع جدا. ويبدو أن الأمر نفسي؛ أشعر بضياع عمري دون جدوى".
يخبرنا أيمن أنه وشقيقه وليد وحدهما من يقومان على خدمة عائلته وعائلة شقيقته التي استُشهد زوجها ونجت هي وطفلها الوحيد "جود" مصابيْن معا بإصابات متوسطة، إضافة إلى خدمة جدتهما وجدهما، الذي يعاني من مرض ألزهايمر. لذا لدى أيمن طوابيره الخاصة في المشافي، حين يريح أخته ويذهب هو مصطحبا طفلها للعلاج الطبيعي. ويقول أيمن: "نقضي يوما كاملا بين المواصلات وحصة العلاج الطبيعي، لكن المهم أن يتحسن جود. قمت بحساب وقتي في الطوابير، قبل أيام، واكتشفت أني قضيت ساعتين ونصف في جلب الماء والطعام من التكية، ثم ذهبت لإحضار الدواء من العيادة لجدي، وطردا غذائيا لأختي، وقد أكل هذا من يومي ما يقارب ثماني ساعات كاملة".
التعليقات (0)