تحتاج الحالة الفلسطينية في ذكرى طوفان الأقصى إلى مراجعة عميقة وجريئة له ولما سبقه من تجارب منذ انطلاقة الثورة الفلسطينية حتى اليوم: أين أخطأنا وأين أصبنا؟ ولماذا لم ينتصر الشعب الفلسطيني رغم عشرات السنين من المقاومة والتضحيات والمعاناة الهائلة والبطولة الباسلة؟ وما متطلبات انطلاقة جديدة قابلة للانتصار؟ لا يستقيم اختصار الأمر بالقول إن الطوفان تسبب في كارثة وإبادة بشرية، ولا بالقول إن خيار أوسلو والمفاوضات سبّب كارثة وإبادة سياسية. فما جرى أن الاستراتيجيات كلها وصلت إلى طريق مسدود، بدليل أن حال القضية على أرض الصراع أسوأ مما كان قبل أوسلو. ولا ينفع تحميل المسؤولية للمفاوضات وحدها رغم أنها تتحمل قسطا كبيرا ، ولا للمقاومة وحدها، فالمقاومة وسيلة وليست غاية، والتعامل معها ومع المفاوضات كغاية من الأخطاء الكبيرة. صحيح أن المقاومة ارتكبت أخطاء كبيرة و لم تنتصر، لكن لولاها لما بقيت القضية حية، ولما بقي نصف الشعب على أرض وطنه، ولما حمل القضية أبناؤها في الداخل والخارج. ولولاها لظلت قضية إنسانية تخص أفراداً، لا قضية شعب له حقوق وفي مقدمتها حقه بتقرير المصير. وهذا بالضبط ما يُراد اليوم: إعادتها قضية إنسانية تخص أفراداً وسلطةً تديرهم تحت الاحتلال، إلى أن يتمكن المشروع الصهيوني الاستعماري، الذي ما زال مفتوحاً، من استكمال أهدافه الكبرى. وهو مشروع لم يحققها بعد: لم يجمع كل اليهود أو معظمهم في «أرض الميعاد»، ولم يهجّر كل الفلسطينيين أو معظمهم. لكنه يسعى إلى طرد أكبر عدد ممكن منهم ليكون كيانه دولة يهودية نقية، تمارس الفصل العنصري بحق من يبقى من الفلسطينيين تحت سيادتها، ولا يكون فيها خطر التحول إلى دولة ثنائية القومية أو دولة لجميع مواطنيها. وبعد المراجعة العميقة والجريئة لا بد من بلورة رؤية شاملة تتضمن صياغة جديدة للمشروع الوطني، وتحديد البرنامج السياسي، و ينبثق عنها قيادة ومؤسسات جامعة واحدة، واستراتيجيات مناسبة. من الدروس المستفادة قاعدة الارتكاز: وحدة القضية والأرض والشعب والسيرة التاريخية هي حجر الأساس. أبعاد القضية: القضية فلسطينية الوجه، عربية القلب، عالمية الأطراف والأبعاد. فلا يجوز طمس طابعها الفلسطيني، ولا المبالغة في «فلسطنتها» حتى تُهمل أبعادها العربية والتحررية والإنسانية. الأهداف المباشرة: الأهداف الكبرى لا تلغي أهمية تحديد أهداف مباشرة قابلة للتحقيق، يقود تراكمها إلى الأهداف الكبرى. ولا يكون ذلك على قاعدة «شيء أفضل من لا شيء»، ولا على قاعدة «كل شيء أو لا شيء». أشكال النضال: ليست صنماً يُعبد بل وسائل لتحقيق الأهداف. يُتبنّى منها ما يلزم بالمزج بين الحق والجدوى، وبقدر قدرته على تحقيق الأهداف. المقاومة والمفاوضات: المقاومة تزرع والمفاوضات تحصد، ومن لا يزرع لا يحصد. الوحدة الوطنية: الوحدة على أساس القواسم المشتركة، في إطار وطني واحد تعددي تشاركي ديمقراطي، ليست مستحيلة ولا ترفاً ولا أمراً زائداً عن الحاجة، بل هي قانون الانتصار لأي حركة تحرر وطني. الطابع الوطني للقضية: طبيعتها الأساسية وطنية، وهي قادرة على جمع التيار الليبرالي الوطني والإسلامي الوطني والقومي الوطني والأممي الوطني، دون أن تكون ملحقاً بأي منها. ترابط المهمات: إنجاز مهمات التحرر الوطني يحتاج وقتاً طويلاً بسبب طبيعة الصراع وحجم العدو واختلال موازين القوى. لذلك لا يمكن فصل الوطني عن الديمقراطي والاجتماعي، ولا تلبية مهمات التحرر الوطني مع إهمال مهمات البناء الديمقراطي. عدالة القضية وعدم الاصطفاف: القضية عادلة ومتفوقة أخلاقياً، وتجمع الدعم من أطراف متباينة. لذا لا يجب أن تكون مع محور ضد آخر، بل أساساً لحشد تأييد المحاور المختلفة. التحولات الدولية: العالم القديم أحادي القطبية ينهار، وعالم تعددي الأقطاب يتقدم، وإن لم يكن ذلك بمسار مستقيم دائماً إلى الأمام وبالسرعة المرغوبة. وهو مسار مستمر سينتهي إلى عالم أفضل من القديم. ويجب الحرص على أن تكون فلسطين في خريطته الجديدة، وهذا ليس مفروغاً منه إذا لم يحسن الفلسطينيون التصرف. الديمقراطية: الديمقراطية ضرورة، وفي مقدمتها الانتخابات. لكن ما يناسب حركات التحرر التي تواجه تحديات ومخاطر وجودية هو الديمقراطية التوافقية المحتكمة إلى قواعد العمل الجبهوي، لا قاعدة «الأغلبية تحكم والأقلية تعارض» التي تناسب الدول المستقلة ذات السيادة.
هذا المقال يعبر عن وجهة نظر صاحبه، ولا يعبر بالضرورة عن وجهة نظر شبكة راية الإعلامية.
التعليقات (0)