f 𝕏 W
السابع من أكتوبر: يوم بدهر!

جريدة القدس

سياسة منذ 33 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

السابع من أكتوبر: يوم بدهر!

الأربعاء 07 أكتوبر 2026 8:54 صباحًا - بتوقيت القدس

بعد ثلاث سنوات على السابع من أكتوبر، ربما لا يزال من المبكر ان نعرف ماذا فعل ذلك اليوم بالتاريخ، لكننا نعرف انه غير طريقة رؤيتنا له، فبعض الأيام تمر كوقائع، وبعضها يبقى كشق في الجدار، كلما حاولنا النظر بعيدا أعادنا إلى السؤال نفسه، فكيف استطاع يوم واحد ان يكشف هشاشة يقين بدا طوال عقود عصياً على الشك؟ كان السابع من أكتوبر لحظة نادرة في التاريخ الفلسطيني والعربي، لحظة بدا فيها المستحيل ممكنا، في ساعات قليلة اهتزت صورة القوة التي بدت عصية على الاختراق، وعبرت الحدود التي لا تعبر، واختبر الردع الذي لا يختبر، والدولة التي ظنت ان تفوقها المادي يكفي لإقناع الجميع بان المستقبل قد كتب وانتهى، لم يكن اختراقا لحدود فقط، بل اختراقا لخيال سياسي عاش عقودا على فكرة ان ميزان القوة حسم التاريخ نهائيا. ومن هنا تبدو قيمة اللحظة اكبر من نتائجها المباشرة، فقد أعادت إلى التاريخ عنصر المفاجأة، وإلى الشعوب شكوكا قديمة حول ثبات ما يبدو ثابتا، ولهذا كان السابع من أكتوبر إيذانا بتصدع عالم كامل، لا لأن عالما جديدا ولد في صباحه، بل لان عالما قديما فقد شيئا من هيبته واهتزت قواعده التي بدت راسخة، فلم تعد فلسطين مجرد قضية يمكن تأجيلها ريثما تكتمل صفقات الاقليم. والاغرب ان المفارقة العسكرية نفسها تبدو كأنها سؤال عن معنى القوة، فماذا يعني ان تواجه قوة محاصرة جيشا يمتلك التفوق الجوي والاستخباري والتكنولوجي، ثم تستمر المعركة كل هذا الوقت؟ لا يعني ذلك ان ميزان القوة انقلب، ولا ان التفوق المادي صار وهما، لكنه يفتح احتمالا اكثر التباسا، حيث لا تكفي القدرة على تدمير المكان لصناعة مستقبله، ولهذا تبدو الدلالة التاريخية لهذه المواجهة اعقد من ان تختصر في ميزان النصر والهزيمة، لان الطرف "الاضعف" استطاع ان يفرض على الطرف "الاقوى" زمنا وكلفة وحضورا سياسيا لم تكن الارقام وحدها تتوقعها. ثم بدأت اوهام اخرى تتساقط، قطار التطبيع الذي ظن ان بإمكانه السير بعيدا عن فلسطين، ربما لم يتوقف تماما، لكنه اكتشف ان فلسطين ليست محطة يمكن تجاوزها، وفي الغرب، اتسعت المسافة بين اللغة التي تتحدث عن حقوق الانسان والقانون الدولي وبين القدرة على تطبيقها حين يصبح ثمنها سياسيا، وحتى الاعتراف بالدولة الفلسطينية دخل منطقة الالتباس، فماذا تعني دولة يتسع الاعتراف بها على الورق بينما تضيق قدرتها على ممارسة السيادة على الارض؟ وهل يمكن للاعتراف ان يكون بداية الدولة، او بديلا عنها؟ وفي العالم العربي، لم يكن السؤال اقل عمقا، فماذا بقي من ارادة الشعوب في عالم تبدو فيه التحولات الكبرى اكبر من قدرتهم على التأثير فيها؟ وهل تكفي الانتخابات وحدها لتقول الشعوب ما تريد، ام ان المسألة تتعلق بقدرتها الفعلية على تغيير مسار السلطة والسياسة؟ وما الذي يبقى من ارادتها حين تستبدل خياراتها بصورة الزعيم الملهم او حين تصبح المؤسسات اقل اهمية من الشخص الذي يفترض ان يجسدها؟ وفي فلسطين، ربما كانت المفارقة الاكثر مرارة ان كارثة بهذا الحجم لم تنتج حتى الان قطيعة مع ما سبق، فما زالت الحوارات تدور وكأن شيئا لم يحدث، والانقسام يواصل طريقه، والضفة تضيق، تعيش تحت ثقل يومي لا يشبه لغة البيانات، وحتى موسم الزيتون، الذي كان موعدا مع الارض والفرح، صار في قرى كثيرة موعدا يختلط فيه الدم بالزيت. وهنا يبدأ السؤال الذي لا جواب له، ماذا يعني ان يحدث حدث بهذا الحجم، ثم تتوالى نتائجه على شعب بأكمله وعلى المنطقة والعالم؟ لا يمكن اختزال ما جرى في قرار واحد، كما لا يمكن فصله عن كل ما سبقه من حصار وانقسام وفشل سياسي وتراكم تاريخي طويل، وربما كان ما انهار في ذلك اليوم اكبر من حاجز واصغر من دولة، واكثر غموضا من ان يسمى نصرا او هزيمة، ولهذا قد يكون السؤال الاكثر ازعاجا اليوم ليس من انتصر ومن انهزم، بل ماذا انهار في ذلك اليوم، وما الذي ما زال واقفا في داخلنا، ونحن نحاول فهم العالم الذي اعيد تشكيله فوق الركام نفسه.

السابع من أكتوبر: يوم بدهر!

عماد الافرنجي: صحفي ومحاضر جامعي

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)