f 𝕏 W
النفاق الأوروبي بين الخطاب الأخلاقي والعجز السياسي..
العقوبات لا تغطي  0.15% من حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

جريدة القدس

سياسة منذ 36 دق 0 6 د قراءة
زيارة المصدر ←

النفاق الأوروبي بين الخطاب الأخلاقي والعجز السياسي.. العقوبات لا تغطي 0.15% من حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

الأربعاء 07 أكتوبر 2026 8:49 صباحًا - بتوقيت القدس

في خطوة وُصفت بـ"التاريخية"، أدرج الاتحاد الأوروبي مؤخراً عدداً من الكيانات والمنظمات الاستيطانية على قائمة العقوبات. لكن سرعان ما تلاشى بريق هذه الخطوة أمام أرقام صارخة: العقوبات الحالية لا تغطي سوى ما يقارب 0.15% من حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل. هذا الرقم وحده يكفي لفضح الفجوة الهائلة بين القوة الرمزية للعقوبات وقوتها الفعلية على الأرض.بينما كان الدبلوماسيون الأوروبيون يعلنون عن هذه الإجراءات، كانت عائلات فلسطينية في قرى الضفة الغربية تشاهد بأم عينها مستوطنين يحرقون أشجار الزيتون ويطلقون النار على قاطفي الزيتون— في بعض الحالات بحضور مراقبين أوروبيين أنفسهم. المشهد يختصر المأزق الأوروبي؛ حضور ميداني بلا حماية، وبيانات إدانة بلا ردع، ومساعدات إنسانية تُبَدَّد أمام أعين المانحين أنفسهم.المعضلة الأوروبية ليست في غياب الأدوات، بل في غياب الإرادة السياسية. يمتلك الاتحاد الأوروبي أكبر سوق موحدة في العالم، وأكبر كتلة مانحة للفلسطينيين، وأكثر الأُطر القانونية تطوراً في مجال حقوق الإنسان. ومع ذلك، يظل الاتحاد رهينة لآلية "الإجماع" في سياساته الخارجية، حيث تكفي دولة واحدة— وغالباً ما تكون ألمانيا أو المجر أو النمسا— لتعطيل أي قرار حاسم.هذا الجمود الإجرائي يتحول إلى غطاء سياسي؛ فبدلاً من مواجهة العواقب القانونية والأخلاقية للتواطؤ، تتوارى أوروبا خلف لغة "القلق" و"الإدانة" و"الدعوة إلى ضبط النفس". لكن هذه اللغة فقدت فعاليتها تماماً أمام حكومة إسرائيلية يقودها يمين صهيوني فاشي وعنصري ومتطرف، لا يفهم إلا لغة القوة والمصالح المادية.لماذا لا يزال الاتحاد الأوروبي متردداً؟ الإجابة ليست في العجز، بل في النفاق. فالقارة التي بنت هويتها على "القانون الدولي" و"حقوق الإنسان" تجد نفسها اليوم ملحقة بالموقع الأمريكي المتواطئ، تتبع خطاه دون أن تجرؤ على رسم مسار مستقل.في قلب المعادلة الأوروبية تقف ألمانيا. بوصفها أكبر اقتصاد في الاتحاد وأكثر الدول نفوذاً في تحديد سياسته الخارجية، فإن تحول الموقف الألماني- من الدعم غير المشروط لإسرائيل إلى تأييد حظر تجاري موحد على المستوطنات- سيكون بمثابة زلزال سياسي.هذا التحول ليس مستحيلاً قانونياًفقد رأى خبراء قانونيون أن حظر الاتحاد الأوروبي للتجارة مع المستوطنات غير القانونية يمكن اعتماده بموجب المادة 207 من معاهدة عمل الاتحاد الأوروبي (TFEU)، من خلال السياسة التجارية المشتركة، بدلاً من اعتباره إجراءً ضمن السياسة الخارجية والأمنية المشتركة (CFSP)- وبالتالي تجاوز الحاجة إلى الإجماع.لكن برلين لا تزال تتمسك بموقفها. وفي غياب تحول ألماني، ستظل أوروبا تدور في حلقة مفرغة من العقوبات الرمزية والبيانات المتكررة، بينما تستمر الآلة الاستيطانية في توسعها، وتستمر الماكنة الاقتصادية التي تدعم الاحتلال في العمل بعمق داخل الأسواق الدولية.ما وراء منتجات المستوطنات: البنية الاقتصادية للاحتلالالمشكلة أعمق من مجرد منتجات المستوطنات. فقد خَلُصَ رأي محكمة العدل الدولية الاستشاري الصادر في يوليو 2024 إلى أن استمرار وجود إسرائيل في الأرض الفلسطينية المحتلة غير قانوني، وأن على الدول الثالثة اتخاذ تدابير لمنع العلاقات التجارية أو الاستثمارية التي تساعد في الإبقاء على هذا الاحتلال.لكن ما يظهره تقرير المقررة الخاصة للأمم المتحدة فرانشيسكا ألبانيز لعام 2025 بعنوان "من اقتصاد الاحتلال إلى اقتصاد الإبادة الجماعية" هو أن البنية الاقتصادية الداعمة للاحتلال أوسع بكثير من بضائع المستوطنات. إنها تشمل: شركات البناء والبنية التحتية التي تبني المستوطنات والطرق الالتفافية، البنوك والمؤسسات المالية التي تقدم القروض وخدمات الاكتتاب للشركات المنخرطة في اقتصاد المستوطنات، صناديق التقاعد والمؤسسات الاستثمارية التي تمتلك أسهماً أو سندات في شركات تسهم في استمرار الاحتلال، شركات التكنولوجيا والنقل والسياحة التي تخدم البنية التحتية الاستيطانية، السلطات العامة التي تواصل إرساء العقود وتمنح الوصول إلى الأسواق لكيانات مرتبطة بأنشطة غير قانونية في المستوطنات غير الشرعية.ويصعب عملياً الحفاظ على تمييز واضح بين الاقتصاد الإسرائيلي واقتصاد المستوطنات؛ فالمستوطنات ليست جيوباً تجارية معزولة، بل هي مندمجة في البنية التحتية الإسرائيلية والنظام المالي والهياكل المؤسسية للشركات وسلاسل التوريد والأسواق. وهذا يعني أن أي حظر حقيقي يجب أن يستهدف المنظومة الاقتصادية الأوسع، لا مجرد منتجات المستوطنات.في غياب إرادة أوروبية، تبرز نماذج من دول أخرى أثبتت أن البديل ممكن. في 2 مايو 2024، أعلنت تركيا تعليق جميع أنشطة الاستيراد والتصدير التجاري مع إسرائيل. وفي مؤتمر بوغوتا لمجموعة لاهاي في يوليو 2025، اعتمدت دول تدابير دبلوماسية واقتصادية منسقة، بما في ذلك التزامات بمراجعة العقود العامة لمنع المؤسسات والصناديق العامة من دعم الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني.هذه النماذج تثبت أن الإرادة السياسية قادرة على تجاوز الجمود عندما تتوفر. لكن أوروبا، التي تتفوق على هذه الدول اقتصادياً ودبلوماسياً، لا تزال عالقة في مرحلة "الدراسة" و"التنسيق" و"انتظار التوافق".عندما يتحول الحدث الجانبي إلى نداءعلى هامش الدورة الثالثة والستين لمجلس حقوق الإنسان التابع للأمم المتحدة، انعقدت فعالية جانبية بعنوان "ما يتجاوز منتجات المستوطنات: مسؤوليات الدول الثالثة والشركات إزاء الاحتلال الإسرائيلي غير القانوني"، نظمتها اللجنة المستقلة لحقوق الإنسان (ICHR) ومنظمة القانون من أجل فلسطين (المملكة المتحدة). تحدث فيها عصام عاروري، وكيندا محمدية، وأنيشا باتيل، وروبرت غرابوش، ومانويل ديفيرز.هذه الفعاليات محاولة لبناء وعي قانوني وسياسي بالالتزامات الواقعة على عاتق الدول الثالثة، والتي حددتها محكمة العدل الدولية. لكن الوعي وحده لا يكفي. فالمطلوب هو تحويل هذه الالتزامات إلى قرارات رادعة، وهو ما لا يزال غائباً.السؤال المطروح: هل يستحق الاتحاد الأوروبي الثناء على تحوله من البيانات إلى العقوبات؟ الإجابة الصريحة: لا، ليس بعد. فالعقوبات المحدودة النطاق، والمعقدة إجرائياً، والتي يمكن تعطيلها بصوت دولة واحدة، لا تشكل اختباراً حقيقياً لمصداقية أوروبا في التمسك بـ"القانون الدولي".الاختبار الحقيقي هو ما إذا كانت ألمانيا يمكن أن تغير موقفها في نهاية المطاف لدفع الاتحاد الأوروبي لفرض حظر تجاري موحد على المستوطنات. هذا هو المؤشر الوحيد الذي يمكن أن يثبت أن أوروبا جادة في الانتقال من التواطؤ إلى المساءلة.أوروبا أمام لحظة الحقيقةلم يعد الموقف يحتمل. سياسة البيانات المترددة والمتساهلة لم تعد تجدي مع يمين صهيوني فاشي وعنصري ومتطرف. كل يوم يمر دون قرارات رادعة هو يوم إضافي من التواطؤ مع الاستيطان والاستيلاء على الأرض والاعتداء على المقدسات وقتل قاطفي الزيتون.أوروبا ليست عاجزة. أوروبا مترددة. والفرق بين العجز والتردد هو الفرق بين ضحية الظروف ومتواطئ معها. التاريخ لن يرحم أوروبا إذا اختارت الاستمرار في الموقف الثاني.

النفاق الأوروبي بين الخطاب الأخلاقي والعجز السياسي.. العقوبات لا تغطي 0.15% من حجم التجارة بين الاتحاد الأوروبي وإسرائيل

عماد الافرنجي: صحفي ومحاضر جامعي

عصام بكر: عضو المجلس الوطني الفلسطيني

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)