f 𝕏 W
حين يريد الجميع الترشح: هل نحن أمام فرط إنتاج للنخب في الحالة الفلسطينية؟

جريدة القدس

سياسة منذ 47 دق 0 4 د قراءة
زيارة المصدر ←

حين يريد الجميع الترشح: هل نحن أمام فرط إنتاج للنخب في الحالة الفلسطينية؟

الأربعاء 07 أكتوبر 2026 8:38 صباحًا - بتوقيت القدس

مع اقتراب كل استحقاق انتخابي في فلسطين، يتكرر المشهد ذاته: ازدحام غير مسبوق في قوائم المرشحين، تدافع من كل الاتجاهات، متعلمون وأقل تعليماً، أثرياء وموظفون بسطاء، وجوه حزبية عتيقة وهواة سياسة جدد. ويتساءل المواطن البسيط: لماذا يريد الجميع أن يصبح نائباً؟يلجأ كثيرون إلى نظرية عالم التاريخ الكمي بيتر تورشن حول "فرط إنتاج النخب" لتفسير الظاهرة. وجوهر النظرية بسيط: حين يُخرّج المجتمع عدداً من الطامحين إلى النفوذ والمكانة أكثر مما تستطيع مؤسسات الدولة استيعابه، يتحول الطموح المعطل إلى إحباط، والإحباط إلى صراع داخل النخبة نفسها.لكن تطبيق تورشن على الحالة الفلسطينية يحتاج إلى تدقيق. تورشن لا يتحدث عن الشهادات أو الثروة، بل عن الطموح إلى السلطة. ليس كل من يحمل شهادة دكتوراه أو يملك مالاً هو جزء من "فرط الإنتاج"، ولا كل من يفتقدها هو خارجها. المعيار هو الرغبة في مكانة لا يوجد لها مقعد.والسؤال الأهم ليس "كم عدد المرشحين"، بل "لماذا أصبح الترشح حلماً جماهيرياً يتجاوز الطبقات؟"هنا نحتاج لأكثر من عدسة واحدة:*أولاً: الحرمان النسبي.* سنوات طويلة من الانقسام، وتعطل المجلس التشريعي منذ 2006، وتآكل الثقة في المؤسسات، خلقت شعوراً واسعاً بأن الطريق إلى الاعتراف الاجتماعي والحماية والقدرة على الخدمة يمر عبر مقعد في التشريعي. المواطن يقارن نفسه بغيره ويرى أن غيره وصل بلا استحقاق، فيقرر أن يجرب هو أيضاً.*ثانياً: انخفاض عتبة الدخول.* في السابق كان الترشح يحتاج لحزب قوي وتزكية تنظيمية وتمويل ضخم. اليوم، خطاب "المرشح من خارج المؤسسة" و"الشعبوية" ومنصات التواصل الاجتماعي، جعلت أي شخص قادراً على فتح بث مباشر وبناء جمهور في أسابيع. السياسة تحولت من عمل مؤسسي إلى استعراض.*ثالثاً: السياسة كسوق للشهرة.* بالنسبة لقطاع واسع، لم يعد المقعد التشريعي هدفاً تشريعياً ورقابياً، بل منصة للنفوذ الاجتماعي، وبوابة للوجاهة، وحماية للمصالح الاقتصادية، وطريق مختصر للشهرة.كيف ينطبق هذا على الانتخابات التشريعية المقبلة؟نحن أمام حالة فلسطينية مركبة:1. *داخل حركة فتح نفسها:* التنافس ليس فقط بين فتح وفصائل أخرى، بل داخل فتح. هناك جيل من الكوادر يرى أنه خدم التنظيم لعقود ولم يأخذ فرصته، وجيل جديد متعلم يرى أن الشرعية الثورية لم تعد كافية. هذا هو فرط الإنتاج النخبوي الكلاسيكي الذي تحدث عنه تورشن: مواقع محدودة في القائمة الرسمية مقابل طموحات متضخمة. فتح باب الترشح في أقاليم مثل القدس ورام الله ونابلس هو محاولة مؤسسية لاحتواء هذا الاحتقان، لكنه قد يزيده اشتعالاً.2. *خارج الأحزاب:* تراجع مكانة الأحزاب التقليدية أفقدها احتكار الترشح. اليوم كل عائلة، وكل تجمع مهني، وكل ناشط فيسبوكي، يرى في نفسه مشروع قائمة. هذا لا يُفسره تورشن وحده، بل يُفسره منطق "انخفاض العتبة".3. *القدس حالة خاصة:* في القدس، الترشح ليس مجرد طموح سياسي، بل فعل بقاء وهوية. من يترشح عن القدس يريد أن يقول "أنا ما زلت هنا". ولذلك يتضاعف الطموح ويختلط فيه الوطني بالشخصي.الخطر ليس في كثرة المرشحين، بل في ما بعدها. عندما يكون عدد الطامحين أكبر بكثير من عدد المقاعد الـ132، فإن 90% منهم سيخرجون محبطين. هذا الإحباط، إذا لم يُدار بحكمة وعدالة وشفافية داخل القوائم، يتحول بسهولة إلى انشقاقات، وقوائم موازية، وخطاب تشكي في نزاهة الانتخابات نفسها، وربما إلى عزوف شعبي.خلاصة القول، نظرية تورشن تمنحنا جرس إنذار مهم: المشكلة ليست في طموح الناس، بل في ضيق القنوات التي تستوعب هذا الطموح. الحل الفلسطيني لا يكون بإغلاق الباب أمام الترشح، بل بتوسيع مفهوم المشاركة السياسية خارج مقعد التشريعي، عبر تفعيل البلديات، والنقابات، والمجتمع المدني، واقتصاد منتج، حتى لا يبقى مقعد البرلمان هو البوابة الوحيدة للاعتراف والمكانة.والسؤال الذي يجب أن نسأله قبل أن نسأل "لماذا يترشح الجميع؟" هو: ماذا فعلنا كمجتمع سياسي لكي لا يضطر الجميع للترشح ليشعر بقيمته؟

حين يريد الجميع الترشح: هل نحن أمام فرط إنتاج للنخب في الحالة الفلسطينية؟

د. سعيد صبري مستشار اقتصادي ومالي دولي – عضو الهيئة الدولية للتحول والاقتصاد الرقمي – الأمانة العامة

كن الأول في معرفة أهم الأخبار العاجلة فور حدوثها.

ابق على اطلاع على آخر الأخبار، واشترك في خدمة الأخبار العاجلة التي تصل إلى بريدك الإلكتروني يومياً.

المقال الكامل متوفر على موقع المصدر
اقرأ الخبر كاملاً من جريدة القدس
←

شارك هذه المقالة

التعليقات (0)