القامات الوطنية لا تقاس بما يقال عنها في لحظة عابرة، ولا تختزل مسيرة المناضلين في حملة تشويه أو منشور تحريضي أو رواية ينسجها عابثون وحاقدون، فالتاريخ أكثر إنصافاً من حملات التشهير، والناس الذين عايشوا مسيرة المناضلين يعرفون جيداً الفرق بين من صنع حضوره بالنضال والعمل والمسؤولية، ومن يحاول صناعة حضوره بالإساءة إلى الآخرين.
ومن هذا المنطلق، فإن ما يتعرض له الرفيق الأمين العام لجبهة النضال الشعبي الفلسطيني، د. أحمد مجدلاني، من حملات إساءة وتشويه واستهداف سياسي ومعنوي، لا يمكن النظر إليه بوصفه مجرد اختلاف في الرأي أو سجال سياسي عابر، بل بوصفه محاولة للنيل من شخصية وطنية كرّست عقوداً من حياتها للعمل السياسي والوطني والاجتماعي، وتحملت مسؤولياتها في مراحل بالغة التعقيد من تاريخ شعبنا، وظلت حاضرة في ميادين العمل الوطني، مدافعة عن حقوق شعبنا وثوابته ومشروعه الوطني.
لقد راكم د. مجدلاني، على امتداد مسيرته، تجربة سياسية وفكرية ووطنية ومجتمعية غنية، جعلته واحداً من الشخصيات الحاضرة في المشهد الفلسطيني، ليس فقط من موقعه الحزبي، وإنما أيضاً من خلال المواقع والمسؤوليات الوطنية والرسمية التي اضطلع بها، وما تركه فيها من إسهامات في خدمة المجتمع وتعزيز مؤسسات العمل الوطني، ومن الإنصاف، عند قراءة هذه التجربة، التوقف أمام مساهماته في بناء مؤسسات الدولة الفلسطينية وتطوير العمل المؤسسي والاجتماعي، والدفاع عن قضايا الفئات والشرائح الاجتماعية، والمشاركة في صياغة السياسات العامة المرتبطة بالشأن الاجتماعي والوطني، فالدولة لا تبنى بالشعارات وحدها، وإنما بالعمل اليومي والمؤسسات والتشريعات والسياسات، وبالقدرة على تحمل المسؤولية في الظروف الصعبة، وقد كان د. مجدلاني، في المواقع التي تولى فيها المسؤولية، جزءاً من هذا الجهد المتراكم لبناء مؤسسات وطنية فلسطينية قادرة على خدمة المواطن وتعزيز صموده وحماية حقوقه.
ولم يكن حضوره في العمل الوطني منفصلاً عن القضايا الاجتماعية والاقتصادية التي تمس حياة الناس مباشرة؛ فقد ظل منحازاً إلى قضايا العمال والفئات الأقل حظاً وإلى قيم العدالة الاجتماعية، مدافعاً عن الحقوق الاجتماعية والاقتصادية، ومؤكداً أن المشروع الوطني لا يكتمل من دون بناء مجتمع أكثر عدالة، ومؤسسات أكثر قدرة على الاستجابة لاحتياجات المواطنين، وعلى المستوى السياسي، كان حاضراً في الدفاع عن منظمة التحرير الفلسطينية ومكانتها التمثيلية، وعن القرار الوطني المستقل، وعن وحدة النظام السياسي الفلسطيني، ورفض مشاريع الفصل والانقسام، وهي مواقف لم تكن مرتبطة بموسم سياسي عابر، وإنما شكلت جزءاً من رؤية سياسية واضحة ظل يعبر عنها في مختلف المحطات، حتى عندما كانت كلفتها السياسية عالية.
أما على المستوى التنظيمي، فقد أسهم خلال سنوات مسؤوليته في تعزيز حضور جبهة النضال الشعبي الفلسطيني وتطوير بنيتها ودورها، والحفاظ على استقلالية قرارها السياسي وهويتها الوطنية، وإبقائها حاضرة في الحياة السياسية الفلسطينية باعتبارها فصيلاً له رؤيته ومواقفه وخياراته.
ومن حق أي فلسطيني أن يختلف مع د. مجدلاني، وأن يناقش مواقفه وينتقد أداءه؛ فهذا حق أصيل في الحياة السياسية، بل إن النقد والمراجعة والنقاش ضرورة لأي تجربة وطنية، لكن الفارق كبير بين النقد المسؤول والتشهير، وبين الاختلاف السياسي والتحريض، وبين المساءلة والاغتيال السياسي والمعنوي، وحين تتكرر الإساءة، وتتقاطع حملات التشويه، ويجري اجتزاء المواقف وقلب الحقائق وتوظيفها للنيل من شخصية وطنية، فإن الأمر يتجاوز حدود الاختلاف الطبيعي ليصبح استهدافاً لا يمكن السكوت عنه.
التعليقات (0)